عرفت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية اهتماما متزايدا بالشؤون الثقافية، ليس فقط كوسيلة لترسيخ قيم الأجيال السابقة، والتعريف بهوية المجتمع وخصوصيته أمام الثقافات الأخرى؛ بل أصبح يرتبط أيضا بميادين وقضايا متعددة لعل من أهمها تأثيره في تنمية المجتمع ومسار تقدمه. وهذا ما برز بوضوح منذ بداية تسعينيات القرن العشرين حيث تم "تعزيز مساهمة الثقافة في التنمية المستدامة كهدف تم إطلاقه في إطار العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1998)" [1] . جاء هذا بالموازاة مع انشغال مجموعة من الباحثين بمدى تأثير العوامل الثقافية في سلوك الإنسان وأنماط تفكيره بشكل عام، وفي سيرورة التنمية ودينامية المجتمعات بشكل خاص.
إن وصف "القصر" بواحات الجنوب الشرقي بالموروث الثقافي الفريد لم يكن مجرد تنميق له، إنما هي حقيقة تفرض ذاتها لعدة اعتبارات، رغم أنها تكاد تغيب عند كثير من المهتمين والدارسين لهذا المجال الجغرافي؛ بل إنه ليس من قبيل المبالغة إذا قلنا أن هندسة القصر المعمارية التي تضفي عليه مجموعة من الخصائص تجعل منه أهم تراث مادي في هذه المناطق رغم ما أصابه ولايزال يصيبه من أشكال التدمير والتهميش والإهمال جعلته يفقد الكثير من مميزاته ووظائفه المادية والرمزية.