التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أهمية العودة الى التراث


العودة إلى تراثنا في ظل العولمة أمر مهم للغاية، فنحن مطالبون بالاهتمام والعناية بالخاص بنا وما يميزنا من موسيقى ورياضة وتراث ثقافي شفهيا كان أو ماديا، يجب أن نهتم بتقاليدنا القديمة وأن ننعتق بشخصيتنا الجماعية إلى الأمام، خصوصا ونحن نعيش مرحلة الهجوم الثقافي من مختلف الجهات، والتي هددت ما تبقى من ذاكرتنا الجماعية وهويتنا.

إن الاهتمام بالتراث الثقافي شرط لإعلان الوجود والبصم على حياة حقيقية، بدون ذلك سيبقى وجودنا شكليا لا أسس فيه ولا اركان، وإذا كان لنا اهتمام بتراثنا الجميل وتعاملنا معه بمنطق الاحياء والتطوير عبر الغربلة والتصنيف، فسيكون ذلك بمثابة جسر العبور الى ركن التحرر أولا من ربقة الاستعمار الفكري والثقافي الذي وقعنا في مأزقه منذ سنين، فإن شاء القدر فتحقق لنا انفرادنا بالخاص بنا ذات يوم، فسيكون لنا بلا أدنى ريب اسهام كبير في الثقافة العالمية وحينها قد نحلم بالهيمنة من نافذة ثقافية بالأساس والتي هي اساس كل هيمنة.
 أحيانا أمعن النظر في دروس التاريخ لعلي أستخلص بعض العبر، ولا زلت مؤمنا بأن الجانب الثقافي يجب أن يكون ركن التنمية الأول، فما دامت "الثقافة" تتحدد كجهاز لتكوين الأفراد، فيجب أن نولي لها أهمية قصوى لتطويرها كأساس لخلق جيل ممن يمتلكون القابلية لبناء مجتمع الغد. لقد انتصرت الامبراطورية العثمانية على العرب قديما على المستوى العسكري ولا يستطيع أحد أن ينكر هذا، غير أن المتمعن المتفحص لهذا التاريخ يجد أن العرب قد هيمنوا على العثمانيين ثقافيا، ولا يزال العمران المادي التركي اليوم شاهدا على التأثير الثقافي للثقافة الاسلامية والعربية، مثل هذا النموذج نجده في الولايات المتحدة الأمريكية، فلا زلت أتأمل الوضع في هذا المجتمع العنصري الذي عانى فيه الانسان الزنجي ظروفا ضنكاء، وواجه أشد أنواع القمع المعنوي فتكا على مر التاريخ، ورغم كل ذلك نجد أن ثقافة الزنجي الأسود هي المهيمنة، فقد فرض الزنوج الأمريكيون أنفسهم بثقافتهم وشخصيتهم القوية التي احيت فيها نضالات "مالكولم إكس" و"مارتن لوثر كينغ" وغيرهما الأمل في الخلاص، فأصبح الزنجي الوضيع السيد الأول في امريكا والعالم، ولست أبغي في هذا التقديم التركيز على النموذج الزنجي بقدر ما أردت إبراز الدور الذي تلعبه الشخصية الجماعية في الهيمنة وفرض الذات بالقوة عن طريق الثقافة، فلا بد ان يعقب كل توجه لبناء حضارة عتيدة، اهتمام ضمني وكلي بالجانب العقلاني المتجسد بالثقافة كجهاز تشكيل الأفراد وتشكيل المجتمع والحضارة.
لا زلت احلم ولحلمي ما يبرره أن تغزو موسيقى الكناوة واحيدوس واحواش وباهبي بإيقاعاته أجزاء كبيرة من العالم، كما لا زلت أحلم بأن يصبح أسلوبنا في الحياة عندما يغربل ويتم تطويره الأنموذج الأفضل، فلا شيء مستحيل في هذا الصدد، فقد كان انتشار ثقافة الزنوج بأمريكا مستبعدا في ظل المكانة الحضيضية التي احتلتها الوجوه السوداء وقتداك، غير ان موسيقى الروك، والرقص والغناء والرياضة السوداء غزت الأخضر واليابس، فكان الفنان الأسود أكثر من عــرّف بأمريكا ومثلها خير تمثيل في المحافل الأولمبية والدولية، كما أن الموسيقيين السود فرضوا أنفسهم بالقوة، فعلوا منصات التتويج رياضيا وفنيا وأدبيا، وكانت لهم شخصية قوية بالفعل، فالا يحق لنا أن نحلم نحن أيضا بالغزو الثقافي على اعتبار الهجوم خير وسيلة للدفاع ؟
سؤال محيّــر يبدو صعبا خصوصا عندما ندرس سياقنا المندثر، ولا نجد الخلاص محليا فما بالك بالانعتاق عالميا. كما أن شخصية شبابنا المثقف بواحة فركلة - تنجداد والنواحي، لا تزال غامضة مترددة مبهمة، حالكة ومتشائمة، محدودة الأفق والنطاق، ليست بالعميقة ولا بالرصينة، لا تزال كما يبدو لي أسيرة تنبش في السطحيات وتعرقل بتشنجاتها كل إرادة للتغيير، وإن كانت هناك من عبرة تستشف في مثقف واحة فركلة فهي أن التمزق هي السمة المهيمنة عليه، فهو (المثقف الفركلي) مركّب في فكره متناقض في ادعاءاته وممارساته اليومية، يقول أشياء ويفعل أشياء مناقضة تماما، يعيش في عالمه المثالي ولا يحب التواصل مع الآخر إلا فيما نذر، يحدث جعجعة بلا طحين، ويعتقد نفسه كل شيء فتراه يرفرف بكلماته في سماء فركلة الحالكة ويعتز بثقافتها الغناء، وقد تجده في العمق جاحدا بما يخطه، فهو منافق فيما يكتبه، كذاب ومموه فيما يدعيه، يصعب عليه وضع الأصبع على مكمن دائه والمتجسد في عنصريته المقيتة التي تستوطنه وتسكنه، نتيجة للعرف والتقليد القبلي الوضيع الذي يؤطره ويحدد له معيار سلوكه المتخلف.
أن ننعتق بثقافتنا يعني أن ننخرط في التواصل الجماعي وأن ننبذ الاختلافات العقيمة، وأن نحيي الانسان فينا وألا نمارس على بعضنا عنفا خفيا مضمرا كان أو مجهورا، وأن نؤمن بصفاء الطبيعة وتلوث الثقافة، وأن نراجع بنقد وتمحيص دقيق كل الأفكار القديمة التي أطرت ذهنية إنسان الواحات عموما وفركلة تنجداد على وجه الخصوص. ولابد أن يوازي عمل الجمعيات المحلية جهد دؤوب للتحليق بالثقافة عبر استغلال المتاح من الآلات التكنولوجية الكفيلة بالتعريف بالتراث الثقافي والمادي إعلاميا، وتداوله في المدارس والأندية والمجالات العامة والخاصة، وفي المجلات العلمية ومختلف الجرائد الوطنية والدولية وفي المواقع الاليكترونية، كما اننا في حاجة ماسة لزيادة الدعوة الى التضامن البيقبلي، خصوصا وأن الوضع الاثني لا يبعث على الاطمئنان، وكلما حط بي الرحال في فركلة إلا ولاحظت سلوكيات وظواهر عنصرية مقيتية لا تزال سارية المفعول كمرض عضال ينسف الجسد الواحي لفركلة.
يجب أن نسوق منتوجنا كرهان منشود يجب أن نتغياه، قبل ذلك يجب أن نتقبل مناقشة عيوبنا مصدر عطبنا وبقائنا في القاع، وعندما نحمل في ضمائرنا القدرة على النقاش الهادف الخلاق حول الواقع والآفاق، المرض والدواء، التشخيص والعلاج آنئذ قد يكون لنا كيان في هذه الحياة الهجينة التي قضت على احلام المنغلق المنسحب واعلت من شأن الحركات الاحتجاجية التي اعتبرها ألان تورين بمثابة الذات الفاعلة عبر التاريخ، فهي أي الحركات الاجتماعية تمتلك الخيار والقدرة على الفعل ولكل فعل تقوم به نتائجه. فإن أردنا حقا أن نعرف بأنفسنا علينا أن نبدأ السير على مشروع بناء حركة احتجاجية جماعية محلية ترفع ملفا مطلبيا موحدا وتناضل من اجله باستماتة منقطعة النظير بكل عواطفها وقواها. لكن قبل ذلك يجب أن نتجاوز التمزق الثقافي الذي عشعش فينا واستوطننا منذ سنين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دلالات الأشكال الرمزية في البساط الأمازيغي: حضور وغياب

بقلم : محمد قروق كركيش         الرموز الأمازيغية هي مجموعة من العلامات المعروفة بتصاميمها المتميزة وتتمتع بلغة فريدة وتجسد قوة مبدعيها واستقلالية خيالهم الواسع في مجال الإبداع، أما أشكالها الهندسية فهي جذابة وتوحي بدلالات ورسالات كانت سائدة قبل أن يظهر القلم والورق، فالزربية الأمازيغية تتطلب معرفة عميقة وحسابات رياضية تستحوذ على البال وهي تعد وتعد حتى تنقل عن طريق التكرار والنقل لتفادي الأخطاء مع تجنب أي إضافات تمس الهوية، فالزربية قبل أن تكون إبداعا فهي مرآة تعكس الكثير من ملامح الثقافة الفردية والجماعية.

الثقافة والتنمية المستدامة / نحو مدخل ثقافي لسؤال التنمية بالواحات المغربية

عرفت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية اهتماما متزايدا بالشؤون الثقافية، ليس فقط كوسيلة لترسيخ قيم الأجيال السابقة، والتعريف بهوية المجتمع وخصوصيته أمام الثقافات الأخرى؛ بل أصبح يرتبط أيضا بميادين وقضايا متعددة لعل من أهمها تأثيره في تنمية المجتمع ومسار تقدمه. وهذا ما برز بوضوح منذ بداية تسعينيات القرن العشرين حيث تم "تعزيز مساهمة الثقافة في التنمية المستدامة كهدف تم إطلاقه في إطار العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1998)" [1] . جاء هذا بالموازاة مع انشغال مجموعة من الباحثين بمدى تأثير العوامل الثقافية في سلوك الإنسان وأنماط تفكيره بشكل عام، وفي سيرورة التنمية ودينامية المجتمعات بشكل خاص.

قيمة الرموز في الثقافة اليهودية

يعتبر الرمز مفهوما فضفاضا واسع الاستعمالات والمضامين، ويستخدم للدلالة على معاني متعددة وفقا للسياق العام الذي تبلور فيه ضمن الخطاب، سواء أكان هذا الخطاب ميثولوجيا أسطوريا أو تيولوجيا دينيا أو أدبيا..وقد يتبلور الرمز معبرا عن نفسه في أشكال الطقوس والممارسات الاجتماعية،   أو من خلال مجموعة من الأشكال الهندسية أو الأمكنة والفضاءات التعبدية، مضفيا على ثقافة المجتمع بعدا ماديا مجسدا، وراسما له هوية تميزه وتشخصه. وكل رمز سواء أكان "ماديا" أو "غير مادي"، إنما يعبر عن مضمون ما، ويربط الانسان بدلالة محددة؛ فالأسد رمز يحمل دلالات: الشجاعة، الزعامة، البأس،.. الجبروت، حسب السياق  contexte   الذي اندرج فيه، والثقافة  culture  بوصفها خاصية انسانية، تخلق لنفسها الرموز وتضفي عليها حمولة من الدلالات، وتختلف دلالات الرموز باختلاف الثقافات التي تحتضنها كما أن نفس الرمز قد يحمل أكثر من دلالة بناء على السياق العام الذي يندرج فيه؛ "فالتراب" أو الأرض رمز للوحدة الوطنية، كما أنه قد يحمل معنى قدحيا حينما يستخدم في سياق آخر" تمريغ الإنسان وجهه في التراب". ...