التخطي إلى المحتوى الرئيسي

جغرافيات الظل

جغرافيات الظل
 تجلّ من تجليات التغيرات القيمية في ثقافة المجتمع المغربي (فركلى نوذجا)

بقلم سمير الساعيدي

      هناك
  في واقع الأمر ظواهر اجتماعية تنشط بشكل كبير في مناطق الصمت، والتي لم تتحرر بعد على ما يبدو لي؛ من ذلك التفكير المرجعي المكبّل، إلى ذلكم التفكير الصريح - النزيه الذي يتخطى الزمان والمكان ويتحدى عقدة العرف والتقليد في اتجاه الفهم الواقعي المعمق.

     فالعلاقات الجنسية المكتملة منها وغير المكتملة داخل واحة افركلى على سبيل المثال لا الحصر، تجد تعبيراتها الصريحة في؛ الحقول و في أكناف وجنبات المنازل المهجورة والوديان ومنعزلات أخر. وتكشف هذه العزلة الشبابية الساعية لمعايشة أولى تجاربها الجنسية قبل دخول قفص الزوجية، عن ذلك الثقل الاجتماعي الذي يطبع علاقة المجتمع  الفركلي – التنجدادي بالظواهر الجنسية الخارجة عن نطاق " الشرع " .


وهناك من بين الشباب  الذكور الباحث عن اللذة "المحرمة" من يميل إلى مصاحبة "تاديانين" ⵜⴰⴷⵢⴰⵏⵉⵏ أو الأرامل "،  وذلك لهدف تحقيق لذة جنسية مكتملة غير منقوصة، لا تتأتى عادة مع تلكم اللائي لا يزلن محافظات على غشاء بكارتهن. ويظهر من خلال هذا التوجه الجديد مدى الحضور الوازن لتابو "البكارة" في تقييد العلاقات الجنسية الهامشية داخل الوسط الواحي الفركلي خاصة والمغربي بصفة عامة .

فغشاء البكارة لا يزال يشكل تلكم التجارة المربحة للفتاة "العذراء" و أسرتها، ما يمنع غالبية الفتيات "الفركليات" من الاستمتاع بحياة جنسية مكتملة قبل زواجية، فهذه العلاقات غالبا إما فمية "بوش أبوش" أو شرجية أو نحو ذلك. وتتم هذه العلاقات في مناطق هامشية بعيدة عن عيون المجتمع ورقابته التي لا تطاق ، وذلك لما لثقافة هذا المجتمع المستمدة من " الشرع " من " تحريم" و تجريم  لكل علاقة جنسية خارجة عن نطاق "العقيدة و الأخلاق الإسلامية ".

إن غشاء البكارة هو كل شيء بالنسبة للفتاة الفركلية؛ هو منبع أمانها وهنائها ورمز عذريتها وعفتها... ولهذا فهي حريصة كل الحرص على الحفاظ عليها، بوصفه معيارا اجتماعيا لقياس النقاوة من النجاسة، والعفة من الدناسة.  ويمكن للفتاة أن تستعمل كل جسدها في العلاقات الجنسية الهامشية ما عدا جهازها التناسلي، تحت هاجس الخوف من فقدان غشاء بكارتها رمز عذريتها، و بالتالي فهذا الخوف عادة ما يقود الطرفين المشاركين في اللعبة المحرمة إلى علاقة جنسية غير مكتملة  ( سطحية ) ما يستدعي لدى بعض الشباب البحث عن "تاديانت" أو الأرملة الفاقدة لغشاء البكارة .

وتشكل النساء الأرامل بمنطقة افركلى ثقلا كبيرا على كاهل أسرهن ووسطهن ، فهن محط اهتمام بالغ من طرف الشباب الباحث عن اللذة المحرمة المكتملة، غير أنهن بالمقابل محط اهتمام ورقابة صارمة من طرف المجتمع. وتعيش أرامل واحة افركلة ظروفا نفسية قاهرة للغاية ، فكل حركة زائغة من أحدهن قد يوصمها بوصفها "خايبة" /"عاهرة" . كما أن بحثها عن إشباع حاجاتها البيونفسية  يأتي في لحظات فقدان الثقة في المستقبل وفي زوج "ساتر" قد لا يأتي أبدا .وتصبح بذلك حيواتهن جحيما لا يطاق  داخل نسق ذكوري لا تزال العذرية تحتل فيه مركزا مهما. و بالتالي تصبح مناطق الهامش أو الجغرافيات السرية ملاذهن للهرب من رقابة المجتمع الذي لا يرحم.


لقد أصبحت الحاجة ماسة اليوم أكثر من أي وقت مضى للإحاطة بواقع منفلت – واقع المسكوت عنه و اللامفكر فيه من الطابوهات و الظواهر الديجورية التي تنشط في الهوامش، ومناطق الظل وفي الجغرافيات السرية داخل المجتمع الواحي الفركلي ؛ وذلك لهدف مجتمعي وعلمي ينبني أساسا على محاولة فهم وتشخيص الظواهر وفهم أسبابها وتجلياتها و انعكاساتها المباشرة وغير المباشرة على الفرد و المجتمع على حد سواء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دلالات الأشكال الرمزية في البساط الأمازيغي: حضور وغياب

بقلم : محمد قروق كركيش         الرموز الأمازيغية هي مجموعة من العلامات المعروفة بتصاميمها المتميزة وتتمتع بلغة فريدة وتجسد قوة مبدعيها واستقلالية خيالهم الواسع في مجال الإبداع، أما أشكالها الهندسية فهي جذابة وتوحي بدلالات ورسالات كانت سائدة قبل أن يظهر القلم والورق، فالزربية الأمازيغية تتطلب معرفة عميقة وحسابات رياضية تستحوذ على البال وهي تعد وتعد حتى تنقل عن طريق التكرار والنقل لتفادي الأخطاء مع تجنب أي إضافات تمس الهوية، فالزربية قبل أن تكون إبداعا فهي مرآة تعكس الكثير من ملامح الثقافة الفردية والجماعية.

الثقافة والتنمية المستدامة / نحو مدخل ثقافي لسؤال التنمية بالواحات المغربية

عرفت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية اهتماما متزايدا بالشؤون الثقافية، ليس فقط كوسيلة لترسيخ قيم الأجيال السابقة، والتعريف بهوية المجتمع وخصوصيته أمام الثقافات الأخرى؛ بل أصبح يرتبط أيضا بميادين وقضايا متعددة لعل من أهمها تأثيره في تنمية المجتمع ومسار تقدمه. وهذا ما برز بوضوح منذ بداية تسعينيات القرن العشرين حيث تم "تعزيز مساهمة الثقافة في التنمية المستدامة كهدف تم إطلاقه في إطار العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1998)" [1] . جاء هذا بالموازاة مع انشغال مجموعة من الباحثين بمدى تأثير العوامل الثقافية في سلوك الإنسان وأنماط تفكيره بشكل عام، وفي سيرورة التنمية ودينامية المجتمعات بشكل خاص.

قيمة الرموز في الثقافة اليهودية

يعتبر الرمز مفهوما فضفاضا واسع الاستعمالات والمضامين، ويستخدم للدلالة على معاني متعددة وفقا للسياق العام الذي تبلور فيه ضمن الخطاب، سواء أكان هذا الخطاب ميثولوجيا أسطوريا أو تيولوجيا دينيا أو أدبيا..وقد يتبلور الرمز معبرا عن نفسه في أشكال الطقوس والممارسات الاجتماعية،   أو من خلال مجموعة من الأشكال الهندسية أو الأمكنة والفضاءات التعبدية، مضفيا على ثقافة المجتمع بعدا ماديا مجسدا، وراسما له هوية تميزه وتشخصه. وكل رمز سواء أكان "ماديا" أو "غير مادي"، إنما يعبر عن مضمون ما، ويربط الانسان بدلالة محددة؛ فالأسد رمز يحمل دلالات: الشجاعة، الزعامة، البأس،.. الجبروت، حسب السياق  contexte   الذي اندرج فيه، والثقافة  culture  بوصفها خاصية انسانية، تخلق لنفسها الرموز وتضفي عليها حمولة من الدلالات، وتختلف دلالات الرموز باختلاف الثقافات التي تحتضنها كما أن نفس الرمز قد يحمل أكثر من دلالة بناء على السياق العام الذي يندرج فيه؛ "فالتراب" أو الأرض رمز للوحدة الوطنية، كما أنه قد يحمل معنى قدحيا حينما يستخدم في سياق آخر" تمريغ الإنسان وجهه في التراب". ...