بقلم الباحث: زكرياء آيت الحاج
إن رؤية "الجسد الأنثوي" بعين سوسيولوجية هو
تحديد لموقعة الخطاب وتشكيل لترسيمة مطابقة للواقع الاجتماعي..، فهذه النظرة تنتقل
أكثر فأكثر إلى بسط شرعيتها بعد الوقوف على ظاهرة اجتماعية بعينها، المقصود هنا ما
يتعلق باشتغال المرأة في المقاهي، ومدى ارتباطها كظاهرة سوسيولوجية بالتحولات
والتغيرات التي شهدها المجتمع المغربي، لكن هذه المناولة سيتم توجيهها نحو
"الجسد الأنثوي" وديناميكيته داخل مجال ذكوري بامتياز يستبطن دوافع
وميكاميزمات القهر الاجتماعيين.
داخل "المقهى" المغربي كحقل اجتماعي، تشكلت
تلك الصورة الحداثية المبنية على قهر مضمر، والذي تلعب فيه المرأة - كفاعل في
الظاهر ومنفعل به في الكواليس - دور القديس المتبرك به لجذب "البركة"
المشبعة للنزوات الذكورية، «فعلى المستوى اللاواعي تتحول المرأة الحقيقية "من
لحم ودم وإحساس" إلى مجرد سند هوامي لكل العقد والمآزم والتصورات والمخاوف
والرغبات والإحباطات المكبوتة» ( مصطفى حجازي:
"التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور"، ص: 200)، وهنا يعاد
إنتاج المتخيل الاجتماعي حول الجسد وفق ضبابية هوياتية، كمرايا عاكسة للوضع
الاجتماعي القائم تقف فيها النظرة الاجتماعية بين البين، بين مرايا تقليدية مكسرة
وأخرى حداثية مضببة، وعليه تتشكل بنى اجتماعية هجينة، لا هي معترفة بسبل تدبير
المشترك من عادات، تقاليد وأعراف، ولا هي ممتلكة لصورة واضحة عن الثقافة الدخيلة.
إن "تحرر" المرأة بالمعنى التقليدي يحيل على
شكل من التمرد، إذ «تبدو الهيمنة من الآن فصاعدا في الكثير من المناسبات شيئا ما
يجب الدفاع عنه وتبريره، وتبدو شيئا ما يجب أن يدافع عن نفسه أو أن يُتَبَرَّأَ
منه» ( بيير بورديو:
"الهيمنة الذكورية"، ص: 134)، فدرجة التوغل الأنثوي في التشكيلة الاجتماعية واختراق عوالم الذكورة،
ترتبط في شموليتها بقدرة المرأة على إجبار عالم الذكور الاعتراف بها، لتتحدد معه
النظرة والنظرة المضادة بما هي ترجمة لتناقضات اجتماعية صارخة، تعترف بضرورة عمل
المرأة وفي نفس الآن تستغل "الجسد الأنثوي" أيما استغلال، فالرجل «يفكر
في جسده باعتباره اتصالا طبيعيا ومباشرا بالعالم الذي يعتقد أنه يفهمه بموضوعية،
بينما يعتبر جسم المرأة معوقا أو سجنا يجذب كل ما يخصه إلى أسفل» ( إيفلين آشتون- جونز
جاري- أ. أولسون: "النوع: الذكر والأنثى بين التميز والاختلاف"، ص: 178) فالوضع يتكرس بناءا على علاقة طردية بين الرجل والمرأة
«فبمقدار نفي وإنكار المعاناة عند الرجل، تُفَجَّرُ المعاناة عند المرأة» ( مصطفى حجازي:
"التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، ص: 204).
ومن الجوانب الأكثر انوجادا في هذا الحقل الاجتماعي
الممثل في "المقهى"، ما يتعلق بثلاث أقطاب أساسية: السلطة، العنف
والرمز؛ إنها الثالوث الموجه نحو الموائمة والملائمة بين "الجسد الأنثوي"
والعنف الرمزي الذي يمارسُه والممارس عليه تحت مجهر الهيمنة الذكورية، «فالسلطة
الرمزية لا يمكن لها أن تُمَارَسَ من دون مساهمة أولئك الذين تصيبهم، والتي لا
تصيبهم، إلا لأنهم بنوها كما هي» ( بيير بورديو: "الهيمنة الذكورية"، ص: 69.)، فالتفاعلات الاجتماعية في "المقهى المغربي"
– خاصة في المدن الكبرى- خاضعة لنسق ثقافي خاضع هو الآخر لثنائية التثاقف
والتثقيف، فصيغة الهدم والبناء الاجتماعيين تحضر بقوة في استدماج قوالب جديدة
ودفعها لتكون متماهية مع النسق الاجتماعي كما يحدث مع ظاهرة عمل المرأة المغربية
في المقهى.
«إن القوة الرمزية هي شكل للسلطة تُمَارَسُ على الأجساد
مباشرة خارج كل إكراه جسدي كما يفعل السحر، لكن ذلك السحر لا يعمل إلا إذا استند
إلى استعدادات مودَعة، كمحركات في أعمق أعماق الأجساد» ( بيير بورديو: "الهيمنة
الذكورية"، ص: 66.)، ويتشكل العنف الرمزي على إيقاع المتناقضات؛ عنف رمزي ينظر من جهة إلى
جسد المرأة كوسيلة مثلى لجذب المستهلك، وعنف رمزي آخر ينظر لجسد المرأة على أنه
قاطرة المتعة المرفوقة بخطاب "إيروتيكي" في غالب الأحيان.
وتتحدد نظرة أخرى "للجسد الأنثوي" مبنية على
أساس ديني تتساوق والبنية الاجتماعية والمحددات المرتبطة بمعالم التوجه الاجتماعي
المستحدث، «فالخطاب الديني حول الجسد يجعله خاضعا لتقنيات وممارسات دائمة تختلف في
بعضها حسب الجنس، ويظل جسد المرأة هو الذي يتحمل القسط الأكبر من سلطة النص في
أحكامه المقننة والمراقبة للجسد» ( رحال بوبريك: "بركة النساء، الدين بصيغة
المؤنث"، ص: 5)، لكن
سلطة النص الديني لم تعد قائمة بفعل التغيرات والتحولات التي شهدتها الأنوثة،
فالرقابة الاجتماعية على الجسد تقلصت لصالح المنفعة الاقتصادية.
إن حديثنا عن "النادلات" في المقاهي المغربية،
هو حديث بالأساس عن ديناميكية مستحدثة بصيغة المؤنث، تبدأ من تَكَسُّر المجتمع
المحافظ، وتنتهي إلى تبريرات اجتماعية مستلبة تقف عند حدود القول "باختراق
المرأة لكل المجالات"، لكن العين السوسيولوجية المشاغبة حددت ذلك البعد
العلائقي بين الذكورة والأنوثة؛ بصيغة أخرى، إنها قهوة بطعم الأنوثة الكادحة
وما تحت الكادحة، ولذة ذكورية تترجم قهرا اجتماعيا مزدوجا.