التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تمثلات المجتمع القروي الجبلي "للمرأة العقيم" ما بين الماضي والحاضر.

 بقلم الباحث: بدر المنصوري

     الحديث عن المرأة العقيم داخل المجتمع القروي عموماً، والمجتمع الجبلي خصوصاً؛ يعد من الطابوهات التي لا يمكن الحديث عنها "هكذا" أمام من هب ودب، وفي مكان عام. لأن الحديث عنها يعتبره العديد ضربا في العرض ومساسا بالشرف كالحديث عن إمرأة عقيم أمام زوجها. إذ يعتبر الأمر-الزوج- مساس برجولته وفحولته، وأما إذا كان الحديث عن امرأة من عائلته فيعتبره ضرب في شجرتهم ونسبهم العريق والخصب، من جهة، وأنها رمز للنحس وللاخصب والجفاف وللاحياة، لأن الحياة – في نظر المجتمع القروي الجبلي-  برفقة المرأة الولود، أما الحياة والزواج من المرأة العقيم فهو بمثابة موت قبل الأوان، لأن الحياة لا يمكنها أن تستقيم إلا بوجود المرأة الولود و الأولاد من جهة ثانية.

   ولكي نحاول تأطير هذا الموضوع قمنا  بطرح سؤالين مركزيين وهما كالآتي:
1-   ما هي المكانة الاجتماعية التي تحتلها المرأة العقيم داخل المجتمع القروي الجبلي خصوصاً؟.
2-   ما مدى الحدة التي ينتشر بها العقم عند النساء الجبليات ما بين الماضي والحاضر؟.
  إن المكانة الإجتماعية للمرأة العقيم – حسب خمسة مبحوثين شباب يتراوح سنهم ما بين 21 و 25 سنة-  مكانة عادية مثلها مثل باقي النساء الأخريات، ولا يرون أن هناك أي تمييز أو فرق بينهم .
ونفس السؤال حاولت طرحه على فئة عمرية أخرى فكان الجواب – حسب سبعة مبحوثين تتراوح أعمارهم مابين 56 و 62 سنة- أن المرأة العقيم لا مكانة لها داخل المجتمع القروي الجبلي برمته وتصنف في أدنى خانات السلم الاجتماعي، وجلهم – كملاحظة- يتحدثون بحرقة وإستغراب عن سبب سؤالي لهم، وكأنني رجل سلطة أو ما شابه، رغم أنني إبن المنطقة وأتوفر على علاقة طيبة مع المبحوثين، وكأن هذا الموضوع حوله خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، حتى ولو بالحديث أو السؤال.
  ومن هنا يظهر وبشكل جلي أن تمثلات المجتمع القروي الجبلي للمرأة العقيم؛ تختلف من فئة عمرية إلى أخرى، وكأن المشكلة في السن والتنشئة الاجتماعية التي تلقوها والعقلية التي كانت سائدة فيما مضى، والتي لازالت مترسخة عند الفئة الثانية من المبحوثين .
 أما على مستوى الحدة التي تنتشر بها الظاهرة، فكان الجواب على السؤال المطروح أعلاه أن ظاهرة العقم تنتشر في الماضي أكثر من الحاضر – هذا حسب ستة مبحوثين تتراوح أعمارهم ما بين 55 و 60 سنة- لأنه في الماضي كان الطب يفتقر للوسائل الضرورية لمعالجة المرض والحد من انتشاره، وكانت أغلب النساء يعتمدن على الوصفات الطبية الشعبية، التي غالباً ما كانت لا تفي بالغرض، نظراً لعدم وجود مقياس مضبوط للوصفة الطبية الشعبية، ونجد من بين الأسباب أيضاً مسألة الزواج من بنت العم، لأن هذا النوع من الزواج قد يكون عائقاً في إنجاب الأبناء، نظراً لعدم توافق نفس الفصيلة الدموية التي يتوفر عليها الزوجين. وكذا نجد انعدام الوعي، وهناك أسباب أخرى عديدة.
وطرحت نفس السؤال على مجموعة - من المبحوثين تتراوح أعمارهم ما بين 21 و25 سنة- أكدوا أن ظاهرة العقم عند النساء الجبليات تنتشر في الحاضر أكثر من الماضي، نظراً لأن جسم الإنسان أصبح اليوم معرضا أكثر للأمراض وخصوصاً مرض العقم عند النساء، لأن من بين مسبباته – في نظرهم- تناول حبوب منع الحمل وهذه الحبوب تفتك بالبويضات التي تفرزها الأنثى. وحتى الرجل إذا تناول هذه الحبوب تقوم  بقتل الحيوانات المنوية لديه، وهذا كله يؤول إلى عدم الإنجاب والملام الوحيد هي المرأة، رغم أن المشكل قد يكون من الرجل. ومن الأسباب التي تساهم في انتشار الظاهرة اليوم أكثر من الماضي تناول المواد المعلبة بشكل مفرط، ونحن نعلم أن المواد المعلبة تتوفر على مواد حافظة تساهم في انبثاق مرض العقم خصوصاً عند النساء.
    عموماً فإن تمثلات المجتمع القروي الجبلي للمرأة العقيم يبقى حبيس الأخذ والرد ويشوبه نوع من اللبس والغموض، ويعد إبداء الرأي فيه ما بين القبول بها كفرد داخل المجتمع القروي الجبلي لها حقوق تتساوى فيها مع المرأة الولود، وما بين الدونية والإحتقار بسبب مرض العقم وإن لم تكن هي السبب فيه.
   فالملام الوحيد والأوحد هي المرأة رغم أنه قد يكون المرض من الرجل، فالعقم داخل المجتمع القروي الجبلي لصيق بالمرأة ولا صلة للرجل به، وهذا على المستوى المخيلة الشعبية المحلية للمنطقة.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دلالات الأشكال الرمزية في البساط الأمازيغي: حضور وغياب

بقلم : محمد قروق كركيش         الرموز الأمازيغية هي مجموعة من العلامات المعروفة بتصاميمها المتميزة وتتمتع بلغة فريدة وتجسد قوة مبدعيها واستقلالية خيالهم الواسع في مجال الإبداع، أما أشكالها الهندسية فهي جذابة وتوحي بدلالات ورسالات كانت سائدة قبل أن يظهر القلم والورق، فالزربية الأمازيغية تتطلب معرفة عميقة وحسابات رياضية تستحوذ على البال وهي تعد وتعد حتى تنقل عن طريق التكرار والنقل لتفادي الأخطاء مع تجنب أي إضافات تمس الهوية، فالزربية قبل أن تكون إبداعا فهي مرآة تعكس الكثير من ملامح الثقافة الفردية والجماعية.

الثقافة والتنمية المستدامة / نحو مدخل ثقافي لسؤال التنمية بالواحات المغربية

عرفت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية اهتماما متزايدا بالشؤون الثقافية، ليس فقط كوسيلة لترسيخ قيم الأجيال السابقة، والتعريف بهوية المجتمع وخصوصيته أمام الثقافات الأخرى؛ بل أصبح يرتبط أيضا بميادين وقضايا متعددة لعل من أهمها تأثيره في تنمية المجتمع ومسار تقدمه. وهذا ما برز بوضوح منذ بداية تسعينيات القرن العشرين حيث تم "تعزيز مساهمة الثقافة في التنمية المستدامة كهدف تم إطلاقه في إطار العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1998)" [1] . جاء هذا بالموازاة مع انشغال مجموعة من الباحثين بمدى تأثير العوامل الثقافية في سلوك الإنسان وأنماط تفكيره بشكل عام، وفي سيرورة التنمية ودينامية المجتمعات بشكل خاص.

قيمة الرموز في الثقافة اليهودية

يعتبر الرمز مفهوما فضفاضا واسع الاستعمالات والمضامين، ويستخدم للدلالة على معاني متعددة وفقا للسياق العام الذي تبلور فيه ضمن الخطاب، سواء أكان هذا الخطاب ميثولوجيا أسطوريا أو تيولوجيا دينيا أو أدبيا..وقد يتبلور الرمز معبرا عن نفسه في أشكال الطقوس والممارسات الاجتماعية،   أو من خلال مجموعة من الأشكال الهندسية أو الأمكنة والفضاءات التعبدية، مضفيا على ثقافة المجتمع بعدا ماديا مجسدا، وراسما له هوية تميزه وتشخصه. وكل رمز سواء أكان "ماديا" أو "غير مادي"، إنما يعبر عن مضمون ما، ويربط الانسان بدلالة محددة؛ فالأسد رمز يحمل دلالات: الشجاعة، الزعامة، البأس،.. الجبروت، حسب السياق  contexte   الذي اندرج فيه، والثقافة  culture  بوصفها خاصية انسانية، تخلق لنفسها الرموز وتضفي عليها حمولة من الدلالات، وتختلف دلالات الرموز باختلاف الثقافات التي تحتضنها كما أن نفس الرمز قد يحمل أكثر من دلالة بناء على السياق العام الذي يندرج فيه؛ "فالتراب" أو الأرض رمز للوحدة الوطنية، كما أنه قد يحمل معنى قدحيا حينما يستخدم في سياق آخر" تمريغ الإنسان وجهه في التراب". ...