التخطي إلى المحتوى الرئيسي

في أسباب ودواعي اللجوء إلى السحرة والمشعوذين ( الجزء الرابـــع)

بقلم الباحثة: رشيدة التغدويني

       ...تكفي إذن شعرة أو قطعة ثوب صغيرة، لتحدث سحرا وتلحق بالتالي الأذى بالآخرين؛ كالتّفريق مثلا بين الزّوجين، أو الانتقام من "الظّالم". ويجب أن نُشير هنا إلى أنّ أغلب الوصفات "السحرية" تكون مُرتفعة الثّمن؛ "فعجينة الكمرة" مثلا معروفة بتفريق الأزواج؛ وهذا العمل من اختصاص الفقيه ( السّوسي ) دون غيره. وهذا الموضوع أدّى بي إلى معرفة سرّ تلك العجينة ، فأرشدتني امرأة إلى "سيدة" تُسمّى بتازوهريت أو السّحارة.
وهي عالمةٌ بجميع انواع السّحر ومكوّناتها، وبعد مشي لمسافة على الأرجل، (لأنّ مكانها يتواجدُ في قرية لا تصلُ إليها وسائل النّقل) . طرقنا الباب واستقبلتنا أنا وصديقتي في بهو منزلها ، وتفاجأت من مظهرها ، فهي لم تكن تلك الّتي تخيلتها قبلا، وإنما هي امرأة في الثّلاثينيّات، ملامح الحسن والجمال مرتسمة على محيّاها، كما أنّ ملابسها عادية وتتكلّم بصوت كلّه "خير" . فتحدّثت أنّها لم تعُد تُمارس مهنة "تشاوفيت" منذ مدّة، ولكنّها ساعدتني بمنحها لي بعض المعلومات "القيّمة" عن ما يسمّى "بالعجينة الكمرة" الّتي تُستعملُ في الشّر والانتقام، ولكنّها تمرُّ بمراحل عدّة وأنّ تحضيرها يتمُّ بصعوبة؛ فحدّثتني أنّ الفقيه يترك قصعة من الخشب في مقبرة لمُدّة سبعة أيّام بلياليها ، يجلُب الماء من سبعة آبار، وفي ليلة اكتمال البدر يذهب إلى المقبرة ، وهناك يدعو كلّ الأرواح أن ينزل القمر في القصعة الّتي وضع فيها نبرة الدّقيق ، ثمّ يقوم بعجن المسك والعجينة ليحصُل على عجينة تصلُح لشتّى الأغراض، وتُباع تلك العجينة بأسعار باهظة تعكس ندرتها وأهميّتها البالغة في العمليّات السّحريّة، وتستعمل للتّفريق عادة ، ويكفي أن يوضع القليل من العجينة ) إيّاها عن طريق أحد الطّرفين أو أن تمسح بها الأصابع قبل لمس يد أحدهما لتنتهي العلاقة بين الاثنين .
إن الإنسان عندما يتجرّد من الحبّ والإنسانيّة يُمكن ان يقوم بأي شيء مهما كلّفه الأمر للوصول إلى ما يريده . ولكن هل السّحر الأسود قادرٌ على إلحاق الضّرر بالآخر ؟ هذا ما أكّدته العيّنة المبحوثة . ولكن تبقى مُجرّد أقاويل شفويّة يُمكنُ للصّدفة أن تلعب دورها هنا ف (ش.س) حدّثتني أنّها حاولت لأكثر من ثلاثة سنوات الانتقام من زوجها السّابق دون نتيجة "خسرت فلوسي كاملين عليه وطرقت بلعة دلبيبان أي واحد قالّي كاين شي حد دقّة بطلة . كنمشي عندو ، ولكن ما يتحقّق حتّى حاجة . راجلي عايش حياتو مزيانة مع مرا جديدة ديالو" .
إذن فالحالة هذه فنّدت كلّ الأقاويل عن قُدرة السّحر الأسود في إحداث مشاكل، او إلحاق الضرر بالآخرين . ولكن تبقى شهادتها نقطة في بحر، لأنّ أغلب النّساء أكّدن على فعاليته من بينهنّ ( م .ش) والتي أدلت بتصريح مُهمّ مفاذه؛ أنّ زوجها تزوّج عليها دون علمها، ولجأت إلى فقيه وأعطاها وصفة استطاعت ان تُفرّق بين زوجها وضرّتها، وأنّها لم تندم على ما قامت به، بل العكس هو الصحيح؛ فهي الآن كما أخبرتنا تعيشُ مع زوجها بسعادة وهناء، ولا يُفكّرُ في خداعها مُجدّدا وأنّه اعتذر لها عمّا قام به .

يتبع...

تعليقات

  1. Phénomène "Magic" est un phénomène culturel et social qui est toujours présente dans la société marocaine
    merci rachida /

    ردحذف

إرسال تعليق

تعليقاتكم تسرنا

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دلالات الأشكال الرمزية في البساط الأمازيغي: حضور وغياب

بقلم : محمد قروق كركيش         الرموز الأمازيغية هي مجموعة من العلامات المعروفة بتصاميمها المتميزة وتتمتع بلغة فريدة وتجسد قوة مبدعيها واستقلالية خيالهم الواسع في مجال الإبداع، أما أشكالها الهندسية فهي جذابة وتوحي بدلالات ورسالات كانت سائدة قبل أن يظهر القلم والورق، فالزربية الأمازيغية تتطلب معرفة عميقة وحسابات رياضية تستحوذ على البال وهي تعد وتعد حتى تنقل عن طريق التكرار والنقل لتفادي الأخطاء مع تجنب أي إضافات تمس الهوية، فالزربية قبل أن تكون إبداعا فهي مرآة تعكس الكثير من ملامح الثقافة الفردية والجماعية.

الثقافة والتنمية المستدامة / نحو مدخل ثقافي لسؤال التنمية بالواحات المغربية

عرفت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية اهتماما متزايدا بالشؤون الثقافية، ليس فقط كوسيلة لترسيخ قيم الأجيال السابقة، والتعريف بهوية المجتمع وخصوصيته أمام الثقافات الأخرى؛ بل أصبح يرتبط أيضا بميادين وقضايا متعددة لعل من أهمها تأثيره في تنمية المجتمع ومسار تقدمه. وهذا ما برز بوضوح منذ بداية تسعينيات القرن العشرين حيث تم "تعزيز مساهمة الثقافة في التنمية المستدامة كهدف تم إطلاقه في إطار العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1998)" [1] . جاء هذا بالموازاة مع انشغال مجموعة من الباحثين بمدى تأثير العوامل الثقافية في سلوك الإنسان وأنماط تفكيره بشكل عام، وفي سيرورة التنمية ودينامية المجتمعات بشكل خاص.

قيمة الرموز في الثقافة اليهودية

يعتبر الرمز مفهوما فضفاضا واسع الاستعمالات والمضامين، ويستخدم للدلالة على معاني متعددة وفقا للسياق العام الذي تبلور فيه ضمن الخطاب، سواء أكان هذا الخطاب ميثولوجيا أسطوريا أو تيولوجيا دينيا أو أدبيا..وقد يتبلور الرمز معبرا عن نفسه في أشكال الطقوس والممارسات الاجتماعية،   أو من خلال مجموعة من الأشكال الهندسية أو الأمكنة والفضاءات التعبدية، مضفيا على ثقافة المجتمع بعدا ماديا مجسدا، وراسما له هوية تميزه وتشخصه. وكل رمز سواء أكان "ماديا" أو "غير مادي"، إنما يعبر عن مضمون ما، ويربط الانسان بدلالة محددة؛ فالأسد رمز يحمل دلالات: الشجاعة، الزعامة، البأس،.. الجبروت، حسب السياق  contexte   الذي اندرج فيه، والثقافة  culture  بوصفها خاصية انسانية، تخلق لنفسها الرموز وتضفي عليها حمولة من الدلالات، وتختلف دلالات الرموز باختلاف الثقافات التي تحتضنها كما أن نفس الرمز قد يحمل أكثر من دلالة بناء على السياق العام الذي يندرج فيه؛ "فالتراب" أو الأرض رمز للوحدة الوطنية، كما أنه قد يحمل معنى قدحيا حينما يستخدم في سياق آخر" تمريغ الإنسان وجهه في التراب". ...