التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعتقدات الشعبية في المجتمع الحساني


المعتقدات الشعبية لدى بدو الصحراء: الجزء الثالث
بقلم محمد قروق كركيش


    لقد ارتبط المجال الصحراوي بفعل شساعته بمجموعة من الأساطير والممارسات والطقوس والمعتقدات التي تعبر عن مجتمع اندمج بشكل مذهل مع بيئته ، فوجد الإنسان الصحراوي نفسه محاطا بمجموعة من الظواهر الطبيعية التي لم يجد لها تفسيرا ، فدأب على تفسيرها بمنطق خرافي غير علمي، ناسجا في خياله ومخياله الاجتماعي روايات وأساطير وخرافات ورموز تدل على اعتقادات عجيبة، والحق أن المجتمع المغربي في ظواهره كما المجتمع الصحراوي الذي هو جزء لا يتجزأ منه ، حابل بمجموعة من المعتقدات؛ كالاعتقاد بالأرواح والجن والمس الشيطاني، بالإضافة إلى الاعتقاد بالعين الشريرة ، ومجموعة أخرى  من الأساطير العجيبة التي ارتبطت بالصلحاء والأضرحة وطقوس المرور والانتقال؛ كالموت والسحر وغيرها من الاعتقادات التي تدل على عقلية معينة .
والثقافة الصحراوية في طبيعتها حبلى بمثل هذه الاعتقادات، وسوف نركز بشكل دقيق على المعتقدات المرتبطة بالأضرحة، وكذا طقوس الموت والسحر، بالإضافة إلى الاعتقاد بوجود عين شريرة لها روح شيطانية تعكس الشر .
1-   الأضرحة كمعتقد شعبي لدى بدو الصحراء
لقد عرفت الأقاليم الصحراوية في القرون الأربعة الأخيرة حركة صوفية متجددة ومتميزة امتد تأثيرها على مختلف مجالات الحياة الصحراوية الإجتماعية والثقافية والسياسية وغيرها ؛ إذ لعب الوازع الديني في الحركة الصوفية دورا مهما في مختلف الاعتقادات التي ارتبطت في شكلها العام بظاهرة الصلحاء والأولياء ( الشيخ المقدس ) ، وصار التصوف منذ ظهوره سلوكا متميزا في العبادة وتطوره في شكل مؤسسات منظمة من ربط وزوايا وطرق وطوائف لعبت دورا مهما في التربية والتهذيب والإصلاح الديني؛ من هذه الطرق – لا الحصر – الشاذلية والقادرية والجازولية وغيرها كالتيجانية، فمنذ القرن السادس الميلادي أخد سيدي محمد الركيب مبادئ التصوف ونشرها في الساقية الحمراء ، فدخلت الزاوية الشاذلية عن طريق بن الحاج ابراهيم بعدما أخذها من فاس خلال إقامته بها ولقنها لتلميذه أحمد بن طيور الجنة ، كما دخلت الطرق الأخرى عن طريق مشاييخ عدة كطريقة سيدي محمد الحافظ في التيجانية، وغيرها من الزوايا كزاوية الشيخ ماء العينين التي شكلت بالنسبة لبعض القبائل الصحراوية قبلة للتصالح وركنا مهما للمظلومين .
ومنذ ظهور الزوايا والأضرحة بالمغرب، ارتبطت بمجموعة من الممارسات التي يتميز بها التنظيم المغربي الصحراوي فأخذت هذه الممارسات صبغة دينية أمدتها بالاستمرار والوجود ؛ والحق أن عبادة الأولياء والصلحاء في المغرب عرفت عدة دراسات وانتقادات من لدن الباحثين المتخصصين وخصوصا من الأنتروبولوجيين والسوسيولوجيين الأجانب ، مما يعني أن هذه الظاهرة عرفت على مر العصور وبالخصوص في العالم المغاربي تجاذبات استمرت إلى الآن. 
وبعد دخول الإسلام إلى المغرب نشطت هذه الطرق بشكل كبير في الصحاري وغيرها من أطراف البلاد المغربية؛ وهذا هو الذي حدى بالباحث ’’ إدموند دوتي ’’ إلى دراسة هذه الظاهرة وكل ما يحاط بها من معتقدات ارتبطت بالجانب الديني والممارسات الطقوسية الدينية  في كتابه " السحر والدين بإفريقيا الشمالية " حيث أن دوتي يعتبر أن ظاهرة الأضرحة بالمغرب ارتبطت بالتوحيد الإسلامي الحاد الذي عرفه ، ففي نظره أن الإسلام أفرط في التوحيد حينما باعد المسافة بين العابد والمعبود؛ مما جعل الناس يبحثون عن وسائط تحت رداء طلب الشفاعة، ونجد ذلك بالأساس في المغرب الجنوبي وخصوصا عند قبائل الرحل البدوية والذين غالبا ما ينزعون إلى زاوية معينة ، هذه العملية – البحث عن الوسطاء – أدى في النهاية إلى ظهور أضرحة تجمل أسماء أولياء حقيقيين أو في بعض المرات وهميين [1] ، وتلعب البركة دورا مهما في الاعتقاد بصلاح شيخ على أخر ، فالبركة تمنح الصالح ثقة الناس ، ونفس الشئ بخصوص الكرامات التي يعتقدونها فيهم، فمثلا الشيخ ماء العينين في الجنوب المغربي كان يشفي المرضى بمجرد وضع يده على الداء أو الدعاء بالنصر فتعود القبائل العينية – نسبة إلى ماء العينين – منتصرة من الغزوات التي تخوضها ، إلى غير ذلك من الاعتقادات التي تتجلى عند الناس كبركة .[2]
وعلى خلاف ذلك ، نجد الباحث ’’ إيميل دورمنغن ’’ الذي درس الأولياء بالمجتمع المغاربي عامة ، في كتابه الموسوم " عبادة الأولياء في الإسلام المغاربي " [3] حيث اعتبر أن هناك نوعين من الأولياء : الأولياء الجديون والذين يحملون على عاتقهم هموم الدين ، والأولياء الشعبيون ذوي الصبغة الفولكلورية ، وتركز دراسته على فكرتين هما : تجسيدات وتمظهرات المقدس ، والثانية تتعلق باستمراريته عبر التاريخ ، لذلك اعتقد بضرورة وجود خزانات للقداسة السماوية ، فالفتوى كشكل من أشكال تمظهر المقدس لم تكن لتستمر وتعيش في عالم دنيوي مدنس ولم تكن لتتحمل فكرة العيش في عالم تسوده الفوضى دون فكرة وجود خزانات قدسية سماوية ، هذه الخزانات شكلت علبة مهمة لاستمرار عبادة الصلحاء والأولياء كما شكلت دورا مهما للأضرحة .[4]
وقد ارتبطت الأضرحة في شكلها الديني العام " بالصالح " لأنه عمادها ومصلح ديني اجتماعي وسياسي ، يلجأ له الأفراد في المجتمع ، لذلك عرفت الزوايا والأضرحة اعتقادات عدة من بينها توفير الحماية من العين والمخلوقات الشريرة كالجان وغيرها ، وبالتالي لا يجب نعث الشخص المصلح ، بل يجب احترام هذه الشخصية نظرا لطبيعتها الصالحة ، وقد كشفت الأطروحة التجزيئية في شخص " ارنست كيلنر " عن الطبيعة السلمية لفئة الصلحاء سواء كأفراد أو كأسر ، وهذه الطبيعة تساير بشكل كامل المعنى التي تكرسه البنية الدلالية لمصطلح " الصالح " لذلك لا يمكن أن يتدخل إلا من زاوية الدين ، إن مهمته هي الحفاظ على توازن الجماعة من دون اللجوء إلى العنف ، ويأخذ سلطته من خلال عنصرين الأول واقعي تاريخي يرتبط بالبطولة والشهامة التي يتميز بها الصالح أو شيخ الضريح أو الزاوية ، والثاني ميثولوجي يتعلق بالكرامات والخوارق – زاوية الشيخ ماء العينين - .[5]
وبالتالي ترتبط كل هذه المعتقدات بما سماه " جاك برك " بالمقدس المجسد والذي يضم كل المعتقدات والطقوس التي ترتبط بعبادة الأولياء ، على خلاف المقدس الغير المجسد الذي يتمثل في الشعائر الدينية التي تمارس داخل المساجد والزوايا بصفة خاصة[6] ، وعلى يمكن القول بأن الأضرحة ارتبطت بمجموعة من المعتقدات أهمها جبر الضرر من العين الشريرة والتسليم بالبركة والخوارق كالتداوي وعلاج بعض الأمراض المستعصية ، كما تميزت الأضرحة في الجنوب المغربي بمعتقدات الزواج حيث يتم جلب العروس والعريس إلى الضريح من أجل حمايتهم والتبرك ببركات الولي الصالح ، وكذا المعتقدات المرتبطة بالأرواح حيث نجد الإنسان الصحراوي عندما يمس من طرف الجان مثلا فإنه يزور الولي ليالي متعددة لتصفى نفسه ويخرج مارده .
2-   السحر كمعتقد شعبي لدى بدو الصحراء المغربية
لقد تفاعلت المكونات المغربية في ثقافتها بشكل مذهل ، وأبرز مظاهر التفاعل بين عناصر هذا النسيج الحضاري ما يميز اعتقاد أهل الصحراء من إيمان قوي بالسحر والخوارق والقوى الخفية الكامنة في بعض الكائنات الحية والظواهر الطبيعية ، من سباع وجمال وصخور ووديان وغيرها ، ويطلق عادة على ذلك في الثقافة الحسانية " بالأرواحية " وهي الاعتقاد بوجود قوة روحية في الأشياء ، أي الاعتقاد بأن للأشياء أرواحا مشابهة لتلك التي لدى الإنسان ، فرغم ما أحدثه الإسلام من خلال العرب ، من تحولات عميقة في البناء النفسي والثقافي لهذه المنطقة فإنهم لم يتمكنوا من التحرر من الرواسب الثقافية والفكرية السحرية التي طبعت تفكير أسلافهم في المراحل الأولى من تاريخهم .
معنى هذا أن المجال الصحراوي المغربي ممتلئ بالمعتقدات الخفية التي تتعلق بالسحر ، فمثلا معروف لدى أهل " أدرار " أن أحدا لا يمر بجبال " شاة " إلا ويسمع صوت طبول الجان ، ولذلك سميت بشاة الجان ، وتقول رواية أخرى أن الإنسان لا يعود عند مروره بهذه الجبال ، ولو عاد فإن السحر يمسه فيصير غير سوي [7]، ولما كانت الماشية هي القلب النابض للعيش بالنسبة للبدو في الصحراء ، كان لابد من أن يقوموا بحمايتها من السحر والمس فوضع عليها التمائم وصوروا على ظهرها مجموعة من الرموز اعتقادا بحمايتها من الشعوذة والسحرة والجنون ، كما كتبوا في مبيتها مجموعة من الصيغ الدينية ورسم اليد التي يقال أنها يد فاطمة رضي الله عنها ، ولقد اعتاد الصحراويون تركيز خيامهم بالتكبير وذكر اسم الله حتى لا تصاب خيمتهم باللعنة وحتى لا تمس الأسر القاطنة فيها .
ومعروف أيضا لدى أهل " تالمست وأطار " أن السحر ينتشر بقوة في عبيدهم ، حتى أن العبد صار في هذه القبائل إذا ضربه سيده يموت عاجلا ، ويقولون أيضا بأن العبد المسحور ينظر دائما إلى رئة الإنسان ، ثم يأخذ قلب من يريد ليواريه في الرماد فيصبح القلب بعد مدة قصيرة كبشا ، وأن المسحور لا يموت ما لم يذبح ذلك الكبش ، لذلك انتشرت بقوة ظاهرة الاعتقاد بالسحر بين مختلف أبناء الصحراء ، والاعتقاد قي قدراتهم الخارقة على درئ القوى الخفية وتسخيرها في إسعادهم ، من التقاليد المعروفة أيضا أن تتخذ الأسر أو القبيلة شيخا تسلم له مقاليد أمورها فتقدم له الهدايا والذبائح وتنفق عليه بسخاء ليحميها من كل ما يهددها من أخطار وخصوصا ما يتعلق باللعنة والسحر أو ما يسمى في الثقافة المغربية " بالتابعة " [8]
ويعتقد أهل الصحراء بأن هناك نوعين من السحر ، سحر يقوم به البشر بقدراتهم من خلال مجموعة من الطقوس الخاصة بهم ، وسحر أخر يستعينون فيه بقوى غير البشر وهم الشياطين والأرواح ، كما يعتقدون أن قوة هذين النوعين تخلق شرخا كبيرا في المجتمع وتجلب الأذى للناس ، لذلك فهم يؤمنون بهذه القوة التي تصيبهم وتصيب حيواناتهم ، والحق أن السحر في المغرب ارتبط بمجموعة من الاعتقادات لا يسعنا الوقت لذكرها بشكل مفصل .
3-    المعتقدات المتعلقة بالموت في الثقافة الحسانية
يتوفر لدى كل جماعة إنسانية تنظيم اجتماعي لخبرت الموت ، مثلما الأمر بالنسبة للميلاد ومختلف أزمات الحياة ، وذلك باعتباره أزمة شخصية وأسرية من ناحية وباعتباره أزمة للبناء الإجتماعي واستبدال للدور من ناحية أخرى ، وتتم عادة مواجهة هذه الأزمة من خلال الشعائر الجنائزية والممارسات الخاصة بكل مجتمع، ويعتبر الموت من شعائر الانتقال ، ويمكن أن نكتشف تحليلات المعتقدات والمفاهيم الخاصة بالموت والموتى من خلال ملامح النسق الإجتماعي والثقافي ، وذلك بصورة مباشرة ، وكثيرا ما يوظف الموت كرمز في مجال الطقوس والأساطير ، وما يضفي عليه الرمز هو ذلك الجانب الذي يعبر عن الانتقال من عالم الأحياء إلى عالم الموتى . [9]
كما توضح العادات والتقاليد والمعتقدات السائدة عند البدو أن ظاهرة الموت وما يرتبط بها من ممارسات متأثرة تأثرا شديدا بالدين ، وتلعب البيئة الصحراوية الدور الكبير في ذلك ، فالبدوي يحاول قراءة بعض الآيات القرآنية قبيل النوم خوفا من أن يأتيه الموت أثناء النوم ، وإذا ذهب إلى الحج يقتني كفنه من هناك ، تعبيرا منه أنه مستعدا للموت بعد الحج مباشرة والذهاب إلى الله ، وهم يعتبرون أن الشخص الذي يتوفى يوم الجمعة يعتبر من الصالحين ، أما من يموت أثناء الحج فهو أكثر من الصالحين ، وعندما تحين الوفاة فهم يوجهون الشخص ناحية القبلة وخصوصا أثناء الاحتضار اعتقادا منهم أن تقبيل المتوفى نحو القبلة يسهل خروج الروح ، فيقرؤون القرءان ، ثم تتلى الشهادة في الأذن اليمنى للشخص ويقال أنها تتلى أيضا أثناء سير الجنازة .[10]
ويعتبر البدو أن تجهيز الميت وغسله شيئ راجيا يجلب الثواب للشخص القائم به ، فنجد البدوي يتسابق لذلك ، كما يقومون بعملية الغسل بكل عناية ، ويجب أن يكون الشخص القائم بالغسل ثقي ومتدين ويحفظ القرءان ، كما لا يجب أن يشترك رجل في غسل امرأة والعكس صحيح ، ولدى البدو مجموعة من الاعتقادات بالموت والتنبؤ بها على الرغم من أن ساعة الموت لا يعلمها إلا الله وحده ، من بينها الأحلام ؛ فمثلا الشخص عندما يحلم أنه قد وقع في بئر عميقة فإن هذا يعني طول العمر ، وإن حلم بأنه وقع من على ظهر جمل فإن ذلك يعني أن حادثا سوف يحدث له ، أما إذا أتى شخص ميت في حلم لأحد الأحياء وأخذ منه شيئا أو سرق شيئا من المنزل فإن ذلك يعني أن شخصا من المنزل سوف يموت ، وعندما يعلم البدوي بأن شخصا قد خلع ضرسه أو أضرمت فيه النار ف فإن ذلك علامة على قرب موته ، وإذا ما طلب شخص بطيخ مثلا في غير أوانه فإن ذلك يعتبر نذيرا بموته أيضا ، ويطبق نفس الشيء على أي فاكهة في غير أوانها .[11]
ما يعتقد البدويون بأن عواء الكلب ينبئ بقرب الموت ، ونظرا لأن الوفاة تعني توقف الجسم عن الحركة فيلجأ الصحراويون أيضا إلى التنبؤ بالوفاة عن طريق ملاحظة الجسم وفحصه ، وهذا أيضا يخالف المعتقدات إذ يقوم على العلم والمعرفة ( فحص النبض مثلا ) . ويمكن القول بأن الموت ارتبط في المجال الصحراوي كما المغربي بمعتقدات كثيرة شغلت المخيلة الذهنية ، كان ما قلناه أهمها .   
كما يرتبط العيد في عمق الثقافة الحسانية بكثير من المعتقدات ، بحيث تتجسد فيه رمزية الموت بشكل كبير ، وهذه الرمزية تؤخذ من فعل الذبح والنحر ، لذلك يحرص أهل الصحراء كثيرا على استقبال العيد بالكثير من التحضيرات منها أنه بعد الصلاة وأثناء الذبح يوضع القليل من الشعير الممتزج بالحناء في فم الأضاحي انطلاقا من ذهنية نابعة من فكر خرافي شائع ، حيث يحتفظون بدم الأضحية الحار ذي اللون الأحمر القاني داخل إناء منزلي صغير ، وتتولى هذه المهمة ربة البيت حيث يسود الإيمان بفعالية هذه الشعيرة في تقوية التماسك وتعضيده داخل الأسرة ، إذ يتم تجفيفه لاحقا واستعماله للتبخر لذات الغرض ، كما قد يستعمل هذا الدم لوصفات سحرية على شكل ' فيتيشات ' [12] أو لتحصين الطفل الرضيع من الأذى . [13]
كما يعتقد البدويون بأن عواء الكلب ينبئ بقرب الموت ، ونظرا لأن الوفاة تعني توقف الجسم عن الحركة ، فيلجأ الصحراويون أيضا إلى التنبؤ بالوفاة عن طريق ملاحظة الجسم وفحصه ، وهذا أيضا يخالف المعتقدات إذ يقوم على العلم والمعرفة ( فحص النبض مثلا ) [14] ، ويمكن القول أن الموت ارتبط في المجال الصحراوي كما المغربي بمعتقدات كثيرة شغلت المخيلة الذهنية ، كان ما قلناه أهمها .
4-    بعض المعتقدات الأخرى المرتبطة بالمجال الصحراوي
من بين هذه المعتقدات أمور كثيرة يراد منها دائما تجنب الضرر وطرد النحس والسوء ودرء المخاطر ، فالطفل الصغير مثلا يمنع من " الولولة "[15] في المجتمع الصحراوي داخل البيوت لأن ذلك يجلب الهلاك والخراب للأسرة ، كما أن إتلاف الأواني وتعرضها للكسر يفسر إبعاد البلاء والبأس وفي هذا السياق يقال باللهجة الحسانية " رافد الباس " ، فالحداء المقلوب على عتبة البيت يرمز إلى سوء الحظ ، كما أن تراكب الأحذية فوق بعضها البعض يدل على سفر قريب ومتوقع ، ورغم أن " الحكة " قد ترتبط بأمور طبيعية كالحساسية الجلدية أو وجود ألام في منطقة من الجسد " اليد ، الوجه " فإنهم يعتقدون بأنها تشير إلى فرح مرتقب أو عودة قريب غاب لمدة طويلة ، كما يمنع في الثقافة الصحراوية مرور أي كان أمام الخيمة وفي يده آنية قديمة لأن الصحراويون يعتقدون أن الأرواح أكلت منها وشربت وبالتالي فهي مسكونة ويتم تجنبها خوفا من المس .
ومن بين المعتقدات الغريبة عند أهل الصحراء أنهم يحرمون أكل لحم الأضحية يوم العيد مكتفين " بأفشاي " أي الدوارة المكونة أساسا من الكبد والرئة والقلب والأمعاء ، ويرجع السبب إلى أنهم يضنون أن قطع اللحم واستهلاكها " جرح للعيد " مما سيجعله ينقلب على الأسرة ويجلب الضرر لها ، ويؤدي ذلك أيضا حسب اعتقادهم إلى التفكك وحلول الاضطراب ، لذلك يطلق الحسانيون عبارة " نهار عيدنا نهار جوعنا " ، ومن المعتقدات أيضا تحريم أكل " الطحال أو الطيحان " على اللذين لا يزال أبائهم على قيد الحياة ، ومخالفة هذا الاعتقاد يعد ضربا من ضروب القتل الرمزي للأب ، ومن بين الاعتقادات الأخرى ما يتعلق بالصخور والأحجار الكريمة ، كحجرة " الزنزبرة" ذات اللون الأخضر والتي يعتقد أنها تبعد العين والحسد عن الصبي الصغير ، وكذلك حجرة " الشريعة " التي تستخدم في القلائد والخواتم ، إذ يعتقد أن لها تأثير قوي على المخاطر الناتجة عن العين والحسد بالإضافة إلى حجرة " اللبان الحر " ذات اللون الأصفر و " الكوس والحجر الصيار " التي تلجأ إليها المرأة العاقم قصد الولادة والإنجاب . [16]
ويتميز الصحراويون باعتقادهم الكبير بظاهرة ' السَّلْ '[17] التي تقوم على السحر والطلسم ، يريد من خلالها السلال مص دم الضحية ( من بني أدم ) عبر مسافة محددة يكثر فيها التركيز البصري والذهني ، وتحويل هذا الدم حسب ما تحكيه الكثير من الروايات إلى عنزة أو خروف ، أو بصفة عامة إلى مادة لحم ، ويقولون أن من يحمل في جيبه كمية من نبات ' الشٍّيحْ 'لا يستطيع هؤلاء الناس ' سل دمه ' أو امتصاص دمه .[18] كما يؤمن الحسانيون كغيرهم من المجتمعات البدوية الأخرى إيمانا كبيرا بالحسد وتأثير العين وما يترتب عنهما من ضرر يتجاوز الجسد ليشمل الممتلكات والعلاقات والمراتب الاجتماعية وغيرها ، يبرز هذا الإيمان خصوصا في مجموعة من الطقوس والممارسات الشعبية التي تجمع بين القول والفعل ، ومنها التعاويذ والرقى والعزائم والاحتماء بالفيتيشات والتمائم والأحجية وغير ذلك كثير . [19]
إذن كانت هذه مجموعة من المعتقدات التي ترتبط بالمجال الصحراوي ، ويمكن القول أن كثيرا منها قد تسرب إلى باقي المكونات الأخرى كما عند العرب واليهود المغاربة ، وهذا ناتج عن الاحتكاك والمعايشة الثقافية تحت رداء ما نسميه بالثقافة الكلية ، والتي هي هنا ، مجموع المغاربة بمختلف مكوناتهم ومشاربهم ........
يتبع...


[1]   Edmond Douté «  Merrakich : cominité du Maroc » , paris , 1905 , pp : 80 .
[2]  Ibid , pp : 81 .                      
[3]  كتاب " عبادة الأولياء في الإسلام المغاربي " صدر سنة 1954 ، ويعتبر من الأبحاث القليلة التي اهتمت بدراسة المعتقدات والمجتمعات الدينية ، وخصوصا في المغرب والجزائر وموريتانيا ، بحيث ركز على دراسة الأولياء وأضرحتهم المقدسة .
[4]  عبد الغني منديب : " الدين والمجتمع : دراسة سوسيولوجية للتدين بالمغرب " ، دار أفريقيا الشرق ، الدار البيضاء – المغرب ، طبعة 2006  ، ص 45 .
[5]  نور الدين الزاهي : " بــــركة السلطان " ،  سلسلة دفاتر وجهة نظر ، الـــعدد 12 ، مطبعة النجاح الجديدة 2007 ، الرباط – المغرب ، ص 40 -41 .
[6]  عادل المساتي : " سوسيولجوجيا الدولة بالمغرب : إسهام جاك بيرك ، سلسلة المعرفة الاجتماعية السياسية ، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء – المغرب  ، الطبعة الأولى 2010 ، ص 65 .
[7]  محمد الظريف ، نفس المرجع السابق ، ص 64 .
[8]  محمد الظريف ، نفس المرجع السابق ، ص 65 .
[9]  شارلوث سيمور سميث : " موسوعة علم الإنسان : المفاهيم والمصطلحات الأنتروبولوجية " ، ترجمة مجموعة من أساتذة علم الاجتماع ، إشراف محمد الجوهري ، المجلس الأعلى للثقافة والمشروع القومي للترجمة ، طبعة 1992 ، مادة موت .
[10]  نبيل صبحي حنا : " المجتمعات الصحراوية في الوطن العربي : دراسات نظرية وميدانية " ، دار المعارف ، الطبعة الأولى 1984 ، ص 119 .
[11]  نبيل صبحي حنا ، نفس المرجع السابق ، ص 121 .
[12]  فيتيشات وهي التميمة ؛ أي عبادة الأشياء المسحورة .
[13]  إبراهيم الحيسن ، نفس المرجع السابق ، ص 238 – 239 .
[14]  نبيل صبحي ، نفس المرجع السابق ، ص 123 .
[15]  الولولة تعني ما يقال بلغة الدارج " يا ويلي يا ويلي " .
[17]  في الصحراء يتحدثون عن قزم من السود مهمتهم السحر ، ومنهم من يسميهم ' السلالة ' ، فبمجرد النظر إلى الإنسان يسقط ميتا ويقولون إنه 'سل ذمه' .
[18]  محمد سعيد القشَّاط ،: " التراث الشعبي الليبي " ، منشورات اللجنة الشعبية العامة للثقافة والإعلام ، الطبعة الأولى 2006 ، ص 102 .                               
[19]  إبراهيم الحيسن ، نفس المرجع السابق ، ص 248 .


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دلالات الأشكال الرمزية في البساط الأمازيغي: حضور وغياب

بقلم : محمد قروق كركيش         الرموز الأمازيغية هي مجموعة من العلامات المعروفة بتصاميمها المتميزة وتتمتع بلغة فريدة وتجسد قوة مبدعيها واستقلالية خيالهم الواسع في مجال الإبداع، أما أشكالها الهندسية فهي جذابة وتوحي بدلالات ورسالات كانت سائدة قبل أن يظهر القلم والورق، فالزربية الأمازيغية تتطلب معرفة عميقة وحسابات رياضية تستحوذ على البال وهي تعد وتعد حتى تنقل عن طريق التكرار والنقل لتفادي الأخطاء مع تجنب أي إضافات تمس الهوية، فالزربية قبل أن تكون إبداعا فهي مرآة تعكس الكثير من ملامح الثقافة الفردية والجماعية.

الثقافة والتنمية المستدامة / نحو مدخل ثقافي لسؤال التنمية بالواحات المغربية

عرفت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية اهتماما متزايدا بالشؤون الثقافية، ليس فقط كوسيلة لترسيخ قيم الأجيال السابقة، والتعريف بهوية المجتمع وخصوصيته أمام الثقافات الأخرى؛ بل أصبح يرتبط أيضا بميادين وقضايا متعددة لعل من أهمها تأثيره في تنمية المجتمع ومسار تقدمه. وهذا ما برز بوضوح منذ بداية تسعينيات القرن العشرين حيث تم "تعزيز مساهمة الثقافة في التنمية المستدامة كهدف تم إطلاقه في إطار العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1998)" [1] . جاء هذا بالموازاة مع انشغال مجموعة من الباحثين بمدى تأثير العوامل الثقافية في سلوك الإنسان وأنماط تفكيره بشكل عام، وفي سيرورة التنمية ودينامية المجتمعات بشكل خاص.

قيمة الرموز في الثقافة اليهودية

يعتبر الرمز مفهوما فضفاضا واسع الاستعمالات والمضامين، ويستخدم للدلالة على معاني متعددة وفقا للسياق العام الذي تبلور فيه ضمن الخطاب، سواء أكان هذا الخطاب ميثولوجيا أسطوريا أو تيولوجيا دينيا أو أدبيا..وقد يتبلور الرمز معبرا عن نفسه في أشكال الطقوس والممارسات الاجتماعية،   أو من خلال مجموعة من الأشكال الهندسية أو الأمكنة والفضاءات التعبدية، مضفيا على ثقافة المجتمع بعدا ماديا مجسدا، وراسما له هوية تميزه وتشخصه. وكل رمز سواء أكان "ماديا" أو "غير مادي"، إنما يعبر عن مضمون ما، ويربط الانسان بدلالة محددة؛ فالأسد رمز يحمل دلالات: الشجاعة، الزعامة، البأس،.. الجبروت، حسب السياق  contexte   الذي اندرج فيه، والثقافة  culture  بوصفها خاصية انسانية، تخلق لنفسها الرموز وتضفي عليها حمولة من الدلالات، وتختلف دلالات الرموز باختلاف الثقافات التي تحتضنها كما أن نفس الرمز قد يحمل أكثر من دلالة بناء على السياق العام الذي يندرج فيه؛ "فالتراب" أو الأرض رمز للوحدة الوطنية، كما أنه قد يحمل معنى قدحيا حينما يستخدم في سياق آخر" تمريغ الإنسان وجهه في التراب". ...