التخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقليات القروية .. والتنمية الرسمية ؟!.


  بقلم الباحث؛ بدر المنصوري 
جامعة ابن طفيل القنيطرة
  
       يعتبر الوسط القروي وسطاً معقداُ ومركباً، يجثم خارج الوسط الحضري والذي تشكل المدينة نواته الأساسية، القرية يحتمي في ظلالها عدد سكان يقل بكثير عن المدينة، وقد أكدت الدراسات المسهبة في هذا المجال بأن جغرافية القرية لها حدود تتقاطع مع مجالات أخرى سواء كانت حضرية أو قروية.
      وتنشط في كل قرية معايير ونظم وقيم اجتماعية، اقتصادية ، ثقافية وعقائدية، وهذا ما يؤكد تعداد التلاوين والتعددية والإختلاف حتى داخل المجال الواحد –المجال الجبلي- وهذا التنوع في العادات والتقاليد والطقوس يعطي غنى لمجال على حساب آخر، ويبرز هذا من خلال العقليات ومستوياتها الفكرية وتطلعاتها وآمالها، خصوصاً في استيعاب التنمية الرسمية كمفهوم نظري وإجرائي.

    لقد أثارت الشخصيات الجامدة والناشطة في المجال القروي الجبلي، العديد من الإشكالات والعوائق التي حالت من جهة إلى التقبل والانصهار مع الفاعل السياسي، ومن جهة أخرى تبنت قرار عدم التكيف والمصادمة، بل ووقفت سداً منيعاً في وجه أي بادرة تنموية حكومية -إن وجدت- ؛ فاستناداً إلى المعطيات الميدانية التي بين أيدينا يتوضح بجلاء أن وابل التمرد أو استيعاب الثقافة التنموية يظل رهين هذه العقليات كانت متفتحة –تتفاعل مع السياسات التنموية وتساير التطورات في سجلاتها- أو منغلقة على ذاتها، لطالما أن القروي كان وإلى وقت قريب يرفع شعار الاستقلالية وأن الخارج مرتع خصب للشر. عقليات نقرأ في عمقها بأن مبدأ التقبل ينحصر، على الفئة النخبوية والأرسقراطية وكبار الملاكين والتجار في المجال الجبلي القروي. وهذه الفئة تحتكر دون سواها المبادرات التنموية على حساب الفئات المسحوقة اجتماعياً، وهذا النفوذ استقى قوته من الترسبات والتراكمات التاريخية والثقافية والاقتصادية والسياسية التي حددت مآل الوجاهة الإجتماعية وزعمها للأنقضاض على هكذا مشاريع.
     وفي هذا الخضم يتبين من النتائج المستجلية بأن هذه الفئة –الفئة المستفيدة- كان أغلبها يرتكن لمعطى المصلحة القاتل، والذي يهدم التنمية ويعمل على تصدع الثقة بين أفراد المجتمع القروي الجبلي، ويدفع إلى تقويض الأهداف المتوخاة من هذه المشاريع، بل وينتج مشاكل تعمل على تعضيد القلق والصدمات والانتكاسات التي هزت القيم القروية، والنظم والبناءات التضامنية والتكافلية والتسامحية ، هذه النكبات كانت دوماً تقف في وجه الشمولية والتعميم التي تهدف إليها هذه المخططات التنموية. ولا ننفي في هذا الصدد بأن هناك وجود لأصحاب الفكر النبيل الذي لا يخضع للشوائب المصلحية والغيورين على المنطقة وهدفهم؛ إعلاء التضامن وإرساء المضامين التنموية الهادفة، و يعمدون على تعميم الإستفادة لدرء الإختزالية والتفكير الضيق.
     فإذا أردنا الإندلاق في إشكالية مدى تقبل الطبقة غير المستفيدة مع هذا الطرح التنموي، فإننا مرغمون بالكشف عن مركبات النقص التي تسيج هذه الفئة، وتعمل على نشر الثقافة المضادة للتنمية وتطفو على سطح هذه النقائص؛ عيوب الأمية والجهل بهذا المعطى التنموي وعدم الاكتراث واللامبالاة له، فالأمية مستفحلة بشكل باصم على هذه الفئة مما يعطي نظرة على المستوى الثقافي والفكري القاصر في التفاعل والمساهمة في إحداث آليات العلاقة مع أي بادرة تنموية. وقد ارتأى العديد من أفراد هذه الفئة تبني ثقافة اللاتماهي واللاتمازج مع ما هو خارجي . وقد نجد أن هناك أفرادا داخل هذه الفئة تتضامن محليا بمعزل عن ما هو رسمي، وهناك الكثير يتبنى معطى عدم الاكتراث وتقبل الواقع حتى وإن كان غير فاعل فيه.
    إنه لمن الصعب المسك بخيوط هذه العلاقة الناظمة والمؤسسة للتنمية الرسمية، بالعقليات القروية دون المسك بالخيط الناظم للسياسات التنموية في هذا الصدد. لقد اتسمت هذه الأخيرة بالقصور والفشل في أغلب الأحايين. ويمكن الحديث عن غياب إستراتيجية واضحة للسياسات العامة والمركزية المفرطة، وغياب التقويم والمراقبة بالإضافة إلى ضعف البعد التشاركي وقلة المشاريع التي تهتم بهذا الوسط؛ إن عدم استقرار الخيارات الحكومية نتيجة لكثرة التعديلات الوزارية وتغيير الحكومات، أعطي انطباع بوجود نظام تقريري يجسد رد الفعل أكثر من الفعل.
    فعندما نتطرق إلى المركزية المفرطة، يتبين  لنا من الوهلة الأولى تدبير المجال الترابي في الماضي قد جاء كاستجابة لإرادة التأطير السياسي/ الأمني، أكثر مما حاول الإنشغال بملائمة التدبر العمومي مع ضروريات التنمية المحلية،. فاليوم ليس من المقبول أن تقوم الدولة المركزية بإدارة كل شيء بنفسها، بما في ذلك السياسات العمومية، بل بات خيار اللامركزية وتحرير قدرة المبادرة الإدارية لدى المنتخبين المحليين مدخلاً لا غنى عنه لتحقيق أهداف التنمية من خلال إعادة تحرير دور السلطات المركزية في اتجاه انتقال مزيد من الصلاحيات والاختصاصات لفائدة الجماعة المحلية والهيئات اللامركزية القريبة من عقلية المواطن القروي المهترة . وفي نفس السياق لم يكن البعد التشاركي حاضراً في سيرورة إعداد وتنفيذ السياسات العمومية، ذلك أن إشراك السكان واستشارتهم في المشاريع التنموية التي تعنيهم بالدرجة الأولى، جعل كثير من هذه المشاريع إنجازات غير مكتملة.
    فاليوم نحن بحاجة ماسة إلى إيجاد مدخل حقيقي لإرساء قواعد الحكامة، وذلك أن السلطات العمومية بحاجة للتوفر على مؤشرات حقيقية تسمح بعقلنة عملها وتدبير وسائلها بشكل أمثل.
      إن عدم التطابق بين ما قيل من المتدخلين وبين نتائج التدخل، يزيد التباساً للعقليات القروية. وتصفع يوم بعد يوم بالعتامة السياسية التنموية خصوصاً أنها تتفاءل كثيراً بالنجاح، فالملح اليوم هو البحث في ثقافة وعقلية المجتمع القروي لإنزال أي بادرة تنموية؛ لأن الأزمة أزمة يتقاطع فيها الإجتماعي والثقافي بالسياسي والاقتصادي وكذا المحاسباتي. لعله يكون تزكية غير مشروطة لرفع التدمر والقلق المتزايد الناتج عن فقدان الثقة بين المتدخلين والمواطنين القرويين.
   إن الجهوية واللامركزية مطلب لا محيد عنهما، إلاّ أنه يرتهن لمطلب الحكامة الرشيدة من الجماعات المحلية، والمنتخبين لتسير الطرق السديدة للوصول للفاعلية المنشوذة. وهنا نسقط في فخ (الأطر والكفاءات) التي تدعي الرؤية التنموية الناضجة، ولا نرى نضجاً خصوصاً أن هؤلاء المسيرين تنقصهم الخبرة والكفاءات في ترسيخ النضج التنموي وتكريس الفعل على حساب القول، لتعبئة الموارد البشرية؛ في مختلف القطاعات وملء البياض الذي تعاني منه القرية المغربية على مستوى العقليات في تقبل مثل هاته السياسات التنموية الرسمية.


بدر المنصوري، جامعة ابن طفيل القنيطرة 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دلالات الأشكال الرمزية في البساط الأمازيغي: حضور وغياب

بقلم : محمد قروق كركيش         الرموز الأمازيغية هي مجموعة من العلامات المعروفة بتصاميمها المتميزة وتتمتع بلغة فريدة وتجسد قوة مبدعيها واستقلالية خيالهم الواسع في مجال الإبداع، أما أشكالها الهندسية فهي جذابة وتوحي بدلالات ورسالات كانت سائدة قبل أن يظهر القلم والورق، فالزربية الأمازيغية تتطلب معرفة عميقة وحسابات رياضية تستحوذ على البال وهي تعد وتعد حتى تنقل عن طريق التكرار والنقل لتفادي الأخطاء مع تجنب أي إضافات تمس الهوية، فالزربية قبل أن تكون إبداعا فهي مرآة تعكس الكثير من ملامح الثقافة الفردية والجماعية.

الثقافة والتنمية المستدامة / نحو مدخل ثقافي لسؤال التنمية بالواحات المغربية

عرفت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية اهتماما متزايدا بالشؤون الثقافية، ليس فقط كوسيلة لترسيخ قيم الأجيال السابقة، والتعريف بهوية المجتمع وخصوصيته أمام الثقافات الأخرى؛ بل أصبح يرتبط أيضا بميادين وقضايا متعددة لعل من أهمها تأثيره في تنمية المجتمع ومسار تقدمه. وهذا ما برز بوضوح منذ بداية تسعينيات القرن العشرين حيث تم "تعزيز مساهمة الثقافة في التنمية المستدامة كهدف تم إطلاقه في إطار العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1998)" [1] . جاء هذا بالموازاة مع انشغال مجموعة من الباحثين بمدى تأثير العوامل الثقافية في سلوك الإنسان وأنماط تفكيره بشكل عام، وفي سيرورة التنمية ودينامية المجتمعات بشكل خاص.

قيمة الرموز في الثقافة اليهودية

يعتبر الرمز مفهوما فضفاضا واسع الاستعمالات والمضامين، ويستخدم للدلالة على معاني متعددة وفقا للسياق العام الذي تبلور فيه ضمن الخطاب، سواء أكان هذا الخطاب ميثولوجيا أسطوريا أو تيولوجيا دينيا أو أدبيا..وقد يتبلور الرمز معبرا عن نفسه في أشكال الطقوس والممارسات الاجتماعية،   أو من خلال مجموعة من الأشكال الهندسية أو الأمكنة والفضاءات التعبدية، مضفيا على ثقافة المجتمع بعدا ماديا مجسدا، وراسما له هوية تميزه وتشخصه. وكل رمز سواء أكان "ماديا" أو "غير مادي"، إنما يعبر عن مضمون ما، ويربط الانسان بدلالة محددة؛ فالأسد رمز يحمل دلالات: الشجاعة، الزعامة، البأس،.. الجبروت، حسب السياق  contexte   الذي اندرج فيه، والثقافة  culture  بوصفها خاصية انسانية، تخلق لنفسها الرموز وتضفي عليها حمولة من الدلالات، وتختلف دلالات الرموز باختلاف الثقافات التي تحتضنها كما أن نفس الرمز قد يحمل أكثر من دلالة بناء على السياق العام الذي يندرج فيه؛ "فالتراب" أو الأرض رمز للوحدة الوطنية، كما أنه قد يحمل معنى قدحيا حينما يستخدم في سياق آخر" تمريغ الإنسان وجهه في التراب". ...