الحلقة الثانية من مسلسل المعتقدات والمعارف الشعبية لدى بدو الصحراء
بقلم محمد قروق كركيش
تعتبر اللهجة أو لغة حسان أحد المميزات الرئيسية التي تميز هذه المجموعة عن
المجموعات الأخرى داخل المجتمع المغربي ، ويرجع ذلك إلى مدى ارتباطها بالمجتمع
والبيئة ، أي جدلية اللغة والمجتمع اللتان تلعبان دورا مهما ، وإذا ما بحثنا في
مكونات الثقافة الحسانية فإننا نقف أساسا على مسألة اللهجة كأداة للتخاطب و
التواصل ، ثم يأتي دور كل ما ينتج في الثقافة الحسانية وخصوصا الأدب الشعبي ؛ من
شعر وأمثال والحكايات الشعبية وغير ذلك .
يقول ' إدوارد سابير' في هذا الصدد " إن اللــــــغة هي التي
تـــــــجعل مجتمعا يتصرف ويـــــفكر بالطريقة التي يتصرف بها ، و أن ذلك المجتمع
لا يستطيع رؤية العالم إلا من خلال لغته ، وأن تلك اللغة بـــــــمفرداتها و
تــــــركيب جملها محددة في ذاتها ومحددة لنظرة المجتمع المتكلم بها للعالم و
الحياة " [1] ، لذلك
كانت اللغة هي الوسيلة التي يبدع بها الفرد في الحياة بمختلف تلويناتها ، ولما كان
كذلك ؛ كانت اللغة مرتبطة أشد الارتباط بالمجتمع التي تعيش فيه والذي يستخدمها
كأداة للتواصل والتخاطب ، وكونها تسهم في صنع الفكر وتوجيهه ، إنها تعد أصدق مؤرخ
لحياة هذا المجتمع وحياة ثقافته وحضارته وذاكرته ، وما يتعلق بعاداته وتقاليده وسلوكه وغنائه وفقره وتعلمه وجهله
وأدبه ومهاراته وفنه وحياته الحية منها والميتة ، وبهذا فهي وعاء للثقافة وخزان
لها في نفس الوقت .
وهذه اللهجة التي أنتجت داخل هذه
الجغرافيا عربية في غالبيتها بالإضافة إلى تأثيرات بربرية وزنجية ، يقول أحمد
الأمين الشنقيطي : " كلام حسان ، وهي لغة بعضها ، وهو القسم الأكثر ، عربي
ظاهر ، إلا أن تسكين المحرك كثير فيه ، وبعضها لا تعرف له اشتقاقا ، وليس مأخوذا من
اللغة البربرية ، لأنــه لا يوجد فيها ، وتختلف هذه اللغة باختلاف لهجات أهل
البلاد المتباعدة " [2] ، هذه
اللهجة تعبر عن معاناة وأحاسيس وممارسات الفاعلين الاجتماعيين بغمار الصحراء أثناء
الحل والترحال وعند المناهل وأيام المعارك بين المجموعات المحلية أو ضدا على العدو
الخارجي بمنطقة " تراب البيظان " وتجلى ذلك بصفة مهمة في التراث الشفهي
الذي تناغم مع البيئة الجغرافية للصحراء بشكل عجيب ، وهنا لابد من أن نشير إلى قوة
تأثير البيئة الصحراوية القاحلة وذات الحرارة المفرطة في الجهاز الصوتي الصحراوي ،
والذي يطغى عليه التسكين والتراخي أو الإستثقال بسبب البيئة تم حركات الإمالة التي
تلعب دور في التليين ، وهذا دليل على أن لهجة الصحراء شاعرية ولحنية في خصائصها .
[1] نايف مزما ، " أضواء على الدراسات اللغوية
المعاصرة " ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ، عدد ، 1987 ، ص 220 .
[2] علال ركوك ،" المقاومة وأحداث من التاريخ
الإجتماعي في الأدب الشفوي المغربي ( 1890- 1956 )" ، نشر المندوبية السامية
لقدماء المقاومين ، مطبعة بني ازناسن ، سلا ، الطبعة الأولى 2001 ، ص76 .
تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تسرنا