التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الثراث الشعبي بواحة فكيك وتقسيم الأدوار بين الجنسين نموذج: (الأهازيج و الفرق الفلكلورية )

بقلم الباحثة وفاء ميموني 

         يزخر التراث الغنائي بواحة فجيج، بألوان جميلة من الأهازيج تختلف من حيث المناسبة التي تؤدى فيها، و الأغراض التي تعبر عنها، و الطريقة التي تؤدى بها. و إن كانت لا تتباين كثيرا من حيث قالبها العام  ذو الصياغة اللحنية البسيطة، القائمة على درجة واحدة إلى ثلاث درجات في سلم لحني غير مكتمل. و تستقر أنغامها في الغالب في درجة واحدة أو درجتين. إن الخاصية الأساس لهذه الأهازيج هي جماعيتها سواء في العمل أو في الأفراح أو في المناسبات الدينية وهي خاضعة لتقسيم العمل في المجتمع التقليدي بين أعمال رجالية و أعمال نسائية نظرا للطابع المحافظ للعلاقات الاجتماعية بفجيج. و لم نجد بعد نصوصا من هذه الأهازيج تؤدى من طرف الجنسين معا.
كما يلاحظ الباحث في مناطق أخرى بالأطلس المتوسط و سوس .. حيث إلى  جانب الأهازيج نجد الرقصات الخاصة بالرجال أو النساء.

إن الأهازيج الشعبية بالمنطقة تعد من أهم مميزات الإحتفال و الفرحة و مشاركة الناس بعضهم بالغناء والرقص حتى تتعالى الأصوات وتتوسطها زغاريد وقرع الطبول و التصفيق طيلة أيام العرس من دون انقطاع فكلما اجتمعوا اشتعل الحماس و بدأوا من جديد بالزغاريد و الغناء، غير هذا فالمنطقة كذلك تزخر بمجموعات و فرق غنائية فلكلورية نسائية و أخرى رجالية ومن أبرزهم في الساحة الفنية بالمنطقة نجد:
v   فرقة أورار ( فرقة نسائية):
من أشهر الفنون بالمنطقة و أكثرها انتشارا، وهو فلكلور خاص بالنساء فقط، و يساهم هذا النوع الغنائي في ترديد أهازيج و أغاني شعبية محلية في جميع المناسبات خاصة الزواج و خاصيتها الجمع بين عدة عناصر كالعزف و الغناء و الرقص دون انقطاع، و تتكون هذه المجموعة من عدد غير محدود من المشاركات قد يصل إلى العشرات من النساء و الفتيات يتشكلن في دائرة إما كبيرة أو صغيرة حسب عددهن، و يرتدين الزي التقليدي و الحلي التقليدية،  وإن كان مجال اللباس الحلي يعكس نوعا من التباينات الإجتماعية، ومن الالات المستعملة ك "البندير" الذي تعزف عليه أربع نساء وقد كونت النساء الاخريات التي يعزفن على "الطعاريج" دائرة آنطلاقا من النواة التي خلفها "البندير"، فتساير المشاركات إيقاعه و يخضعن لتعليمات التصفيقات فكلما ارتفعت حركة اليدين إلا و ارتفع معها ايقاع التسفيق و تعالت معه الترديدات و أصوات المغنيات و ارتفع معهن الايقاع  . وطيلة زمن الغناء و الرقص تثناوب النساء في القاء الزغاريد الرنانة، مع ترديد الأهازيج باللهجة المحلية ممزوجة بكلمات بالعربية ولها دلالات و معاني و اشارات و رموز تعالج مواضيع اجتماعية مختلفة و متعددة.
v   فرقة الدندون ( فرق رجالية):
يعد الدندون أو ما يعرف على الصعيد الوطني ب " بكناوة" واحد من الفرق الشعبية المتميزة التي لها صيت دائع باقليم فيكيك، لها خاصياتها كونها من أقدم الفرق الشعبية الخاصة  باقليم فكيك، انتقلت من جيل إلى اخر حفاظا على تراث هذه المنطقة وقد تمركز هذا اللون التراثى على وجه الخصوص بأولاد سليمان أحد قصور المنطقة، وتختلف الروايات الشفوية حول أصل و أبعاد هذه الفرقة  فهي من أصل افريقي أو أنها تأثرت بالإيقاع الافريقي أو الكناوي خصوصا و أن سكان المنطقة ينتمون إلى اثنيات مختلفة من جهة ومن جهة ثانية هجرات موسمية متعددة نظرا لكون فكيك بسبب تدفق مياهها العذبة محطة لاستجلاب و لقاء ثقافات مختلفة .
فالدندون هي فرقة شعبية مرتبطة بطقوس الاحتفال بالنتاج النهائي السنوي للتمور، و هي الفرقة الوحيدة التي تحتفل بموسم جني التمور أو ما يسمى محليا ب " القطيع" و هناك اشارة الى رمز الشجاعة أي الشجاعة التي يتميز بها " البركاتشو" ذلك الشخص القوي الذي يستطيع أن يتسلق شجرة  " الكرام " وهو نوع من النخيل الذي يتعدى طوله 30 متر، و يجني ثمارها خصوصا إدا تضمنت بنود الزواج هذا الشرط أي أن أب الفتاة المطلوبة للزواج يشترط على الفتى الذي طلبها جني ثمار الكرام، و يبقى هذا الشرط  داخل في عداد الأساطير المرتبطة  "بالبركاتشو ".  
     تبقى هذه الفرق الفلكلورية و غيرها حاملة شعلة التراث الشعبي و الفني و الثقافي و كذالك الأسطوري، فكل فرقة لها تاريخها و خصوصياتها و مميزاتها التي تزيد من غناها و حمولتها الرمزية على مر الأجيال و السنين، و لهذا تبقى مرتبطة جدا بمجالها حيث كذلك أفراد المجتمع مرتبطين جدا بهذه الفرق حيث تمثل لهم التاريخ و الزمن و تقاليد الأجداد مما يجعلها حاضرة دوما في جل المناسبات و الأفراح و المواسم..
وفاء ميموني؛ باحثة في حقل الثقافة الشعبية المغربية وعلم الاجتماع


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دلالات الأشكال الرمزية في البساط الأمازيغي: حضور وغياب

بقلم : محمد قروق كركيش         الرموز الأمازيغية هي مجموعة من العلامات المعروفة بتصاميمها المتميزة وتتمتع بلغة فريدة وتجسد قوة مبدعيها واستقلالية خيالهم الواسع في مجال الإبداع، أما أشكالها الهندسية فهي جذابة وتوحي بدلالات ورسالات كانت سائدة قبل أن يظهر القلم والورق، فالزربية الأمازيغية تتطلب معرفة عميقة وحسابات رياضية تستحوذ على البال وهي تعد وتعد حتى تنقل عن طريق التكرار والنقل لتفادي الأخطاء مع تجنب أي إضافات تمس الهوية، فالزربية قبل أن تكون إبداعا فهي مرآة تعكس الكثير من ملامح الثقافة الفردية والجماعية.

الثقافة والتنمية المستدامة / نحو مدخل ثقافي لسؤال التنمية بالواحات المغربية

عرفت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية اهتماما متزايدا بالشؤون الثقافية، ليس فقط كوسيلة لترسيخ قيم الأجيال السابقة، والتعريف بهوية المجتمع وخصوصيته أمام الثقافات الأخرى؛ بل أصبح يرتبط أيضا بميادين وقضايا متعددة لعل من أهمها تأثيره في تنمية المجتمع ومسار تقدمه. وهذا ما برز بوضوح منذ بداية تسعينيات القرن العشرين حيث تم "تعزيز مساهمة الثقافة في التنمية المستدامة كهدف تم إطلاقه في إطار العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1998)" [1] . جاء هذا بالموازاة مع انشغال مجموعة من الباحثين بمدى تأثير العوامل الثقافية في سلوك الإنسان وأنماط تفكيره بشكل عام، وفي سيرورة التنمية ودينامية المجتمعات بشكل خاص.

قيمة الرموز في الثقافة اليهودية

يعتبر الرمز مفهوما فضفاضا واسع الاستعمالات والمضامين، ويستخدم للدلالة على معاني متعددة وفقا للسياق العام الذي تبلور فيه ضمن الخطاب، سواء أكان هذا الخطاب ميثولوجيا أسطوريا أو تيولوجيا دينيا أو أدبيا..وقد يتبلور الرمز معبرا عن نفسه في أشكال الطقوس والممارسات الاجتماعية،   أو من خلال مجموعة من الأشكال الهندسية أو الأمكنة والفضاءات التعبدية، مضفيا على ثقافة المجتمع بعدا ماديا مجسدا، وراسما له هوية تميزه وتشخصه. وكل رمز سواء أكان "ماديا" أو "غير مادي"، إنما يعبر عن مضمون ما، ويربط الانسان بدلالة محددة؛ فالأسد رمز يحمل دلالات: الشجاعة، الزعامة، البأس،.. الجبروت، حسب السياق  contexte   الذي اندرج فيه، والثقافة  culture  بوصفها خاصية انسانية، تخلق لنفسها الرموز وتضفي عليها حمولة من الدلالات، وتختلف دلالات الرموز باختلاف الثقافات التي تحتضنها كما أن نفس الرمز قد يحمل أكثر من دلالة بناء على السياق العام الذي يندرج فيه؛ "فالتراب" أو الأرض رمز للوحدة الوطنية، كما أنه قد يحمل معنى قدحيا حينما يستخدم في سياق آخر" تمريغ الإنسان وجهه في التراب". ...