التخطي إلى المحتوى الرئيسي

في أسباب ودواعي اللجوء الى السحرة والمشعوذين ( الجزء الأول)

بقلم الطالبة الباحثة رشيدة التغدويني


تتعدّد الدّوافعُ والأسباب بين مُريدي السّحرة والفُقهاء فلكلّ واحد مقصدُه ، ولكن وراء كلّ ذلك حكاية لم يُشفي أحد بعد غليلها سوى السّاحر . وبين العنف والانتقام وكثرة المشاكل هذا ما أدّى بهم إلى اتّخاذ مسار وطريق السّحر والشّعوذة آملين في إيجاد خلاص لمُعاناتهم النّفسيّة أو الجسديّة.
 كباحثة مُبتدئة لم أتوقّع يوما أن ألج إلى مكان تنبعث من بين جدرانه روائح كريهة مسبّبة لي الضّيق والحساسية ، ولكن حبّ المعرفة والاستطلاع شجعني اكثر على التّقدّم بالرّغم من الخوف والرّهبة.
. تقدّمت بخطوات بطيئة إلى غرفة مملوءة بالنّساء، تبدو على محياهن جميعهن المعاناة وكثرة الهموم، وقد تقمّصت في هذه المقابلة دور فتاة "مريضة" بسبب سحر معمول لها كي يفتتحن معي الحوار والنّقاش لمعرفة خباياهن من وراء هذه الزّيارة .
أ - العنف الأسري
التقيت أثناء زيارتي للفقيه بدور الشّعوذة ، نساء مُتزوّجات تتعرّضن للضّرب والشّتم، وهذا ما قادهن إلى الالتجاء إلى هذه الوسيلة لعجزهنّ عن الدّفاع عن أنفُسهنّ وكذلك لترويض الزّوج الذّي "يخون" . وكان ذلك المكان ضالتهنّ فتتنافسن عن الإشادة به والافتخار بأعماله ومُمارساته السّحريّة وكأنّه شخصٌ مُقدّسٌ.
فقد تحدّثت المبحوثة ( س) بنبرة تغمرُها السّعادة والفرح والغضب كذلك - كلّ النّساء اندهشن منها- وقد حاولت سؤالها عن سبب سعادتها وأجابت بكلّ سرور " الحمد لله أخوتتي دبا، راجلي ما بقاش كيضربني ولا كيسمعني شي كلمة مشي مزيونة ، ورايي وشوار ديالي لعطاني الفقيه الله يرحملو الوالدين جاب النّتيجة، وخسّني باش يبقى ديما هايدا نجدّد ليه كل 3 أشهر "
فهذه الحالة من بين مجموعة من النّساء تعرّضن للعُنف الرّمزي والجسديّ أرغمهن على الانصياع بتلك الوسيلة، وما أدلت به أعطانا شيئا وهو أنّ السّحر يزول وفعاليته تبقى محدودة ، وهذا يعني أنّ العلاقة بين الزّبون والفقيه مُستمرّة.
وشاطرتها الرّأي كذلك سيّدة أخرى بأنّها بالرّغم من تحقيق مرادها في إرجاع المياه إلى مجاريها مع زوجها، الّذي كان هدّدها قبلا بالطّلاق؛ إلاّ أنّها لا تستطيعُ أن تمتنع كليّا عن المُداومة على زيارة الفقيه، لأنّها مُتخوّفة في أيّ لحظة من فقدان أسرتها. فأيّ اضطراب في علاقة زوجيّة أو حدوث مُشكل بسيط يردنهنّ غالبا إلى السّحر لأنه المُبرّرُ الوحيدُ لهنَ لإضفاء الشّرعيّة على ما يقُمن به . واكتشفت كذلك أنّ مُعظمهنّ يثقن في الفقيه ثقة لا حدود لها من طرف جميع الأصناف، كما أنّ مُمارسة الشّعوذة لم تعد مُتفشّية في الاوساط الفقيرة أو الهامشية حيث الجهل والأميّة وسيادة الخُرافات والمُعتقدات الغريبة . بل إنّ زبناء دور الشّعوذة ينتمون إلى مُختلف الأوساط الاجتماعية . فالشّعوذة تطال كلّ البيوت بدون تمييز لأنّ العنف ظاهرة تتعرّض له النّساء من مُختلف الطّبقات.
هذا ما حدّثتني عنه مبحوثة شابّة في العشرينات من عُمرها، وخرّيجة المعهد العالي؛ لم تكُن تُفكّر أو حتّى مُجرّد تخمين يوما من الايّام أن تلجأ إلى ذلك المكان . لأنها كانت تعتبر الشّعوذة والسّحر مُجرّد خرافات عفا عنها الزّمن، وأن ذلك الطّريق يسلكه فقط من لا يعرفُ القراءة ولا الكتابة. وبعد صمت طويل تكلّمت وأفصحت؛ كيف أنّ زوجها الّذي ربطتها به علاقة حب لأربع سنوات قبل الزّواج، لتكتشف بعدها أنّه لم يكن ذلك الإنسان الطّيب ، فقد أصبح مجرّدا من المشاعر والإنسانيّة يهينها ويضربها وتحدّثت انّه هدّدها مرارا وتكرارا بالقتل ومنعها من زيارة أهلها ، وتستغلّ فقط بعض الأوقات الّتي يغيبُ فيها لأنّ كما قالت: كثير السّفر إلى خارج المدينة " أنا صابرة حيت منقدرشي نطلّق شنّي غيقول النّاس عليّا وزيدون دارنا مكانشي في لول قابلين بيه إلا حتى مشيت عندم وقلتلم هد لهدرا راه غيلموني انا حيت أنا لختاريتو نهار لول أن غنستنى نشوف هذ الفقيه واش يقدر يجبر لي شي حلّ"

 إذن فالمرأة وطبيعتها السّيكولوجية عندما تُحسّ بخطر داهم يخترق جدار القفص الزّوجي فإنّها تلجأ إلى أيّ قشّة تتمسّك بها حتّى وإن كان الارتماء في أحضان السّاحر او الفقيه لعلّه يجد لها حلول جاهزة لما تُعانيه كي تشبع عاطفتها وتحسّ بالأمان...
يتبع...

تعليقات

  1. عدة جوانب تتحكم في هذه الظاهرة: الجانب الاجتماعي,الجانب الثقافي,الجانب الديني.
    علينا إذن أن لانهمل أي جانب من هذه الجوانب,لأن لها تأثير مباشر في هذه الظاهرة,حيث يمكننا أن نمنحها اسم الخلفية.
    لأن لكل منا مهما اختلفنا خلفية يواجه مختلف مستجدات الحياة انطلاقا منها,فكلما كانت لنا خلفية قوية وكنا جد متشبتين بها كلما كانت مواجهاتنا للمستجدات قوية وفعالة,ولا نحتاج الى حلها للجوء الى أي كان.
    وكلما كان العكس,نصاب آنذاك بالاحباط ونتشبث ولو بخيط العنكبوت والكل يعلم مدى وهنه.

    ردحذف
  2. يوم سعيد يا سيدي / ما

    نحن نقدم قروضًا للكيانات الخاصة والتجارية بسعر فائدة سنوي منخفض جدًا ونقدم قروضًا تتراوح من 5000 دولار إلى 100000000 دولار. هذا للقضاء على التاريخ المتنامي لسوء الائتمان ، ولكن أيضًا لتحقيق ربح ثابت لشركتنا وعملائنا. هل يفقدك النوم ليلاً قلقًا بشأن كيفية الحصول على قرض؟ الاتصال: Tracy Finance الآن عبر البريد الإلكتروني: info@tracyfinancefirm.com أو WhatsApp: +918448747044

    شكرًا

    ردحذف

إرسال تعليق

تعليقاتكم تسرنا

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دلالات الأشكال الرمزية في البساط الأمازيغي: حضور وغياب

بقلم : محمد قروق كركيش         الرموز الأمازيغية هي مجموعة من العلامات المعروفة بتصاميمها المتميزة وتتمتع بلغة فريدة وتجسد قوة مبدعيها واستقلالية خيالهم الواسع في مجال الإبداع، أما أشكالها الهندسية فهي جذابة وتوحي بدلالات ورسالات كانت سائدة قبل أن يظهر القلم والورق، فالزربية الأمازيغية تتطلب معرفة عميقة وحسابات رياضية تستحوذ على البال وهي تعد وتعد حتى تنقل عن طريق التكرار والنقل لتفادي الأخطاء مع تجنب أي إضافات تمس الهوية، فالزربية قبل أن تكون إبداعا فهي مرآة تعكس الكثير من ملامح الثقافة الفردية والجماعية.

الثقافة والتنمية المستدامة / نحو مدخل ثقافي لسؤال التنمية بالواحات المغربية

عرفت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية اهتماما متزايدا بالشؤون الثقافية، ليس فقط كوسيلة لترسيخ قيم الأجيال السابقة، والتعريف بهوية المجتمع وخصوصيته أمام الثقافات الأخرى؛ بل أصبح يرتبط أيضا بميادين وقضايا متعددة لعل من أهمها تأثيره في تنمية المجتمع ومسار تقدمه. وهذا ما برز بوضوح منذ بداية تسعينيات القرن العشرين حيث تم "تعزيز مساهمة الثقافة في التنمية المستدامة كهدف تم إطلاقه في إطار العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1998)" [1] . جاء هذا بالموازاة مع انشغال مجموعة من الباحثين بمدى تأثير العوامل الثقافية في سلوك الإنسان وأنماط تفكيره بشكل عام، وفي سيرورة التنمية ودينامية المجتمعات بشكل خاص.

قيمة الرموز في الثقافة اليهودية

يعتبر الرمز مفهوما فضفاضا واسع الاستعمالات والمضامين، ويستخدم للدلالة على معاني متعددة وفقا للسياق العام الذي تبلور فيه ضمن الخطاب، سواء أكان هذا الخطاب ميثولوجيا أسطوريا أو تيولوجيا دينيا أو أدبيا..وقد يتبلور الرمز معبرا عن نفسه في أشكال الطقوس والممارسات الاجتماعية،   أو من خلال مجموعة من الأشكال الهندسية أو الأمكنة والفضاءات التعبدية، مضفيا على ثقافة المجتمع بعدا ماديا مجسدا، وراسما له هوية تميزه وتشخصه. وكل رمز سواء أكان "ماديا" أو "غير مادي"، إنما يعبر عن مضمون ما، ويربط الانسان بدلالة محددة؛ فالأسد رمز يحمل دلالات: الشجاعة، الزعامة، البأس،.. الجبروت، حسب السياق  contexte   الذي اندرج فيه، والثقافة  culture  بوصفها خاصية انسانية، تخلق لنفسها الرموز وتضفي عليها حمولة من الدلالات، وتختلف دلالات الرموز باختلاف الثقافات التي تحتضنها كما أن نفس الرمز قد يحمل أكثر من دلالة بناء على السياق العام الذي يندرج فيه؛ "فالتراب" أو الأرض رمز للوحدة الوطنية، كما أنه قد يحمل معنى قدحيا حينما يستخدم في سياق آخر" تمريغ الإنسان وجهه في التراب". ...