التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المرأة القروية بين اشكالات المجال و المجتمع

بقلم الباحث: نور الدين الناصيري



      يعد مجال دراسات المرأة من المجالات الحديثة في العلوم الاجتماعية والإنسانية وتناولت الدراسات الاجتماعية قضية المشاركة الاجتماعية للمرأة في عمليات التنمية، باعتبارها قضية جوهرية في برامج التنمية " ويبدو أن المرأة لا زالت تسعى جاهدة للحصول على حقوقها ، وخصوصا المرأة في العالم الثالث وتسعى في محاولات مستمرة، إلى الاعتراف بها كفرد أو جماعة أو حركة مجتمعية، و الأسرة العربية والمغربية لا تخرج عن هذا الإطار، في واقع يكرس الذكورة ويبخس الأنوثة، في مجتمع لا نخجل الاعتراف بأنه مجتمع ذكوري، "فالأسرة المغربية والعربية عموما تتميز بسيادة النموذج البطريكي القائم على تمجيد الذكورة، وتبخيس الأنثى، مع ما سيتبع ذلك من انتعاش لقيم وممارسات محددة ومن إنتاج وتكريس لسلوكات وظواهر تتجاوز المستوى الأسري إلى مختلف المستويات المجتمعية الأخرى"

لقد عانت المرأة المغربية من ويلات التخلف والجهل وكان أشدهن معاناة المرأة القروية، التي لم تحظى بما يكفي من الإعتراف بما قامت به من جهد داخل وخارج مجالها، داخل منزلها وخارجه، ومساهمتها الكبيرة والإستثنائية في مساعدة زوجها وابنائها للوصول بهم إلى بر الأمان، هذه هي المرأة القروية مكان جسد ،مكان روح و أخلاق جهاد، ارض معطاء منتجة ومعيدة انتاج، تتواجد في ملتقى المادي والاقتصادي والاجتماعي والرمزي وتتمتع المرأة القروية والغرباوية، بحرية واضحة في التنقل داخل المجال، نظرا لمساهماتها الفعالة في الأنشطة الإقتصادية والفلاحية ومشاركتها الرجل في جميع الأعباء، خادمة ببيتها من الداخل والخارج، وخاصة عندما اضطرت إلى الخروج من البيت لتعيش الأزمة أزمتين، " ومن خلال هذه الوضعية المتأزمة للمرأة البدوية ، فإنها لم تصبح تعاني من قيود السيطرة التي كانت مفروضة من خلال الواقع الموضوعي المعاش داخل البيت، بل أصبحت تعاني من كل أنواع الهيمنة والاستغلال و التسلط حينما أجبرت على الخروج إلى الواقع الخارجي" ومعلوم أن إشكالية المرأة القروية هي إشكالية المجال والمجتمع والثقافة، فالمرأة تعاني من الوضع الداخلي كما تعاني على مستوى الوضع الخارجي كذلك، فهي التي تهيئ الطعام وتنظف الملابس... لكن ألا يبدو أن واقع المرأة القروية المأزوم هو نفس الوجه للعملة المأزومة لهذا القروي، ولكن لا غرابة أن تتداخل دلالات هذه المشاكل مع الواقع المعيش واقع المجال، ويمكن إجمال أدوار المرأة في دوار سيدي رابح انطلاقا من ملاحظتى الميدانية فيما يلي:

  • تشكل المرأة قوة مهمة في هدا الدوار، إذ أنها تساهم بإجلال في المدخول الأسري من خلال الأنشطة الفلاحية وغير الفلاحية. .
  • جلب المياه من الآبار، أو ما يمكن أن نطلق عليه بإدارة المياه، فهي التي تتحمل جمع الماء واستخدامه في جميع تفاصيله اليومية لتلبية حاجات الأسرة
  • جلب حطب الوقود وتعتبر المرأة هناك الأكثر ولوجا لمجال الغابة، بما يكلفها من تكلفة الوقت والعبء
  • جمع العلف ورعي الماشية
  • البحث عن الأعشاب الطبية،و العطرية والبقوليات
  • تعتبر المرأة معالجة محلية بالأعشاب الطبية الموجودة
  • الحفاظ على الهوية الثقافية

"خلال سنة 1991، نجد أن 40% من ضمن النشيطات بالوسط القروي نساء، كما أن النساء القرويات يمارسن نشاط مزدوجا ـ لأنهن يقمن بالأعباء المنزلية ويشغلن الحقول، وغالبا ما يكون نشاطهن خارج البيت مندرجا في إطار الوسط القروي والخدمات العائلية ، وتطال مسؤولية المرآة في الوسط القروي تلاث مجالات : الحياة الأسرية، والمساهمة في الإنتاج الفلاحي إضافة إلى الحفاظ على الهوية الثقافية" ويعتبر البعض أن المرأة حمالة هوية وثقافة، ولكن للأسف فإن المرأة هنا تعاني أمية  قل نظيرها، بسبب عدم إحداث اي مدرسة في الدوار إلا سنة 2006، و"تؤكد المؤشرات الاحصائية المتوفرة على أن المرأة القروية المغربية هي العنصر الإجتماعي الذي لم يستفد من المجهودات التنموية التي خاضتها البلاد... كما أن نشاطها الإقتصادي لا يحظى بالإعتراف، إذ أنها تشكل قوة عمل مستغلة لا تنال الاعتبار أو التعويض" .
وكثيرا ما ربط العلماء حاليا موضوع البيئة بالتنمية، على اعتبار أنهما مدخلان أثيران لرقي الإنسان ،إذ أن البيئة هي المجال الأول والحقيقة الواحدة، ويبدوا أن المرأة في دوار سيدي رابح بعيدة وبسنوات ضوئية حدود التنمية في دوار بسيط يسيطر عليه الجهل، وطريق غير معبدة، وماء غير موصول وكهرباء منعدم.
ومن هنا ينبغي النظر إلى المرأة في هذا الدوار مثلا في إطاره العام وهو المرأة القروية، ومن منظور المجال والمحيط الذي تعيش فيه كواقع اجتماعي وثقافي وإنساني حتى لا نقع في فخ الإسقاطات وفرض النموذج الواحد والنمطي في ثنائية نسخ ولصق،Copier et coller  ولم يأتي محور المرأة الرابحية في هذا المبحث فقط لملء البياض بل لدورها الكبير داخل وخارج المجال، و محاولة فقط من باحث مبتدئ أن ينتصر لهذه المرأة ، ومقال هذا الجزء؛ جاء أصلا عندما رأيت رجلا يركب دابته وتتبعه امرأة وتحمل حبلا من الحطب، وهو ينتشي برجولته بل قل ذكورته فوق الدابة.. !
 وهي تجر الثقل ممسكة بذيل الدابة ,تصوير يوضح دون وعي مكانة هذه المرأة في المجال القروي، ثم إن العناية بنساء البوادي قضية تنموية "وهكذا يبدوا أن واقع المرأة في الدوار واقع مر، رغم الدور الذي تلعبه في التنمية الاقتصادية فالمرأة تسجل حضورا في قلب الغابة ( ارض، ماء بذور ، حطب...) جالبة ماء عبر مسافات طويلة و" إن المرأة الغرباوية تعيش حرة مع الطبيعة حيث تكون تعمل، ومسجونة مع العادات والتقاليد والنزعة الرجولية والسياسية السائدة"  وتبقى المرأة أهم رأسمال مادي واجتماعي ينبغي العناية به..
§        المراجع
رشيد حمدوش : مسالة الرباط الإجتماعي وسوسيولوجيا الحياة اليومية أو المعاش ،مجلة إضافات
محمد سيدي فهمي، المشاركة الاجتماعية والسايسية للمرأة في العالم الثالث ، ص27
-
عبدالرحيم العطري ،سوسيولوجيا الشباب المغربي، جدل الإدماج والتهميش الطبعة الأولى 2004
بوسلهام الكط ،من و حي التراث الغرباوي، الجزء الثاني ص: 278 و279.
عائشة بلعربي، مقاربات نساء قرويات ، دار الفنك 1995 ص:7
Niama ghémires : la femme rural : caractéristiques socio démographiques, approches
،N 4، page 42




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دلالات الأشكال الرمزية في البساط الأمازيغي: حضور وغياب

بقلم : محمد قروق كركيش         الرموز الأمازيغية هي مجموعة من العلامات المعروفة بتصاميمها المتميزة وتتمتع بلغة فريدة وتجسد قوة مبدعيها واستقلالية خيالهم الواسع في مجال الإبداع، أما أشكالها الهندسية فهي جذابة وتوحي بدلالات ورسالات كانت سائدة قبل أن يظهر القلم والورق، فالزربية الأمازيغية تتطلب معرفة عميقة وحسابات رياضية تستحوذ على البال وهي تعد وتعد حتى تنقل عن طريق التكرار والنقل لتفادي الأخطاء مع تجنب أي إضافات تمس الهوية، فالزربية قبل أن تكون إبداعا فهي مرآة تعكس الكثير من ملامح الثقافة الفردية والجماعية.

الثقافة والتنمية المستدامة / نحو مدخل ثقافي لسؤال التنمية بالواحات المغربية

عرفت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية اهتماما متزايدا بالشؤون الثقافية، ليس فقط كوسيلة لترسيخ قيم الأجيال السابقة، والتعريف بهوية المجتمع وخصوصيته أمام الثقافات الأخرى؛ بل أصبح يرتبط أيضا بميادين وقضايا متعددة لعل من أهمها تأثيره في تنمية المجتمع ومسار تقدمه. وهذا ما برز بوضوح منذ بداية تسعينيات القرن العشرين حيث تم "تعزيز مساهمة الثقافة في التنمية المستدامة كهدف تم إطلاقه في إطار العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1998)" [1] . جاء هذا بالموازاة مع انشغال مجموعة من الباحثين بمدى تأثير العوامل الثقافية في سلوك الإنسان وأنماط تفكيره بشكل عام، وفي سيرورة التنمية ودينامية المجتمعات بشكل خاص.

قيمة الرموز في الثقافة اليهودية

يعتبر الرمز مفهوما فضفاضا واسع الاستعمالات والمضامين، ويستخدم للدلالة على معاني متعددة وفقا للسياق العام الذي تبلور فيه ضمن الخطاب، سواء أكان هذا الخطاب ميثولوجيا أسطوريا أو تيولوجيا دينيا أو أدبيا..وقد يتبلور الرمز معبرا عن نفسه في أشكال الطقوس والممارسات الاجتماعية،   أو من خلال مجموعة من الأشكال الهندسية أو الأمكنة والفضاءات التعبدية، مضفيا على ثقافة المجتمع بعدا ماديا مجسدا، وراسما له هوية تميزه وتشخصه. وكل رمز سواء أكان "ماديا" أو "غير مادي"، إنما يعبر عن مضمون ما، ويربط الانسان بدلالة محددة؛ فالأسد رمز يحمل دلالات: الشجاعة، الزعامة، البأس،.. الجبروت، حسب السياق  contexte   الذي اندرج فيه، والثقافة  culture  بوصفها خاصية انسانية، تخلق لنفسها الرموز وتضفي عليها حمولة من الدلالات، وتختلف دلالات الرموز باختلاف الثقافات التي تحتضنها كما أن نفس الرمز قد يحمل أكثر من دلالة بناء على السياق العام الذي يندرج فيه؛ "فالتراب" أو الأرض رمز للوحدة الوطنية، كما أنه قد يحمل معنى قدحيا حينما يستخدم في سياق آخر" تمريغ الإنسان وجهه في التراب". ...