بقلم الباحث نور الدين تاعرابيت
يعد سؤال الثقافة الشعبية من بين الاشكالات التي عرفت
ومازالت، اهتماما متزايدا من قبل الباحثين، رغم أنها كانت مثار تهميش واقصاء بل
وتمييز بينها وبين ''الثقافة العالمة'' لسنوات طويلة، وإضافة لكونها مجالا مفتوحا
للدراسة والتقصي والبحث بما توفره من مادة أولية تصبح أرضية للبحث الأكاديمي الجاد
الذي يعيد الإعتبار لذاكرة الشعوب وهوية الإثنياث، فإن البحث في الثقافة الشعبية
اليوم أصبح مهنة من لا مهنة له، مما أنتج بحوثا ومقالات تصادفها يوميا في الجرائد
والمجلات وعلى صفحات الأنترنت، هذه الأبحاث غير المتخصصة والتي لا مرجعية علمية لها
كونت إرثا مكتوبا أقل ما يوصف به هو كونه استمرارا في مسلسل احتقار هذه الثقافة
والتنقيص من كل الانتاجات الشعبية ووصف عامة الشعب مؤلف هذه الثقافة بالجهل
والتخلف في نتائج واستنتاجات هذه البحوث.
وهو الأمر الذي
يدعو إلى إعادة النظر في كل ما كتب أولا، ثم ولوج ميدان الثقافة الشعبية بعدة
الباحث الأكاديمي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، والتسلح بأحدث المناهج العلمية
التي وفرت آليات وتقنيات البحث والتحليل والتأويل في دراسة الظواهر الثقافية
والانتاجات المعرفية التي أنتجها الشعب.
إن إعادة الاعتبار لثقافة الشعب بوصفها المصدر الرئيسي
والمنبع الأول لما يوصف بالثقافة العالمة، ليقتضي تكوين باحثين متخصصين في مجال
البحث الأكاديمي في الدراسات الثقافية، وذلك بفتح مراكز للتكوين في هذا المجال
وتوفير شعب خاصة بالثقافة الشعبية بالجامعات وفتح مسالك الماستر والدكتوراه
المتخصصة في التراث والثقافة الشعبية والاهتمام بالدراسات الانتروبولوجية، وأيضا
توفير مختبرات خاصة بالبحث والتنقيب في التراث إضافة إلى دعم هذه المسالك ماديا
ومعنويا، ودعم الجمعيات والمعاهد والمتاحف التي تساهم في جمع التراث الثقافي
وحفظه. هذه المسؤولية يتقاسمها الجميع، فالدولة المغربية مسؤولة عن سنوات التهميش
والإقصاء التي عاشتها الثقافة الشعبية، فعليها تغيير سياستها والاهتمام بإنتاجات
الشعب، وذلك بتسخير إمكانياتها في هذا المجال خاصة بتوفير المكانة اللائقة للثقافة
الشعبية في برامج وزاراتها وخاصة وزارة الثقافة. أما المعاهد والجامعات فمسؤوليتها
كما قلنا تكوين باحثين أكاديميين متخصصين في هذا المجال، أما المنظمات وهيئات
المجتمع المدني فمسؤولة عن جمع التراث الثقافي وحفظه وتقديم المساعدة للباحثين...
أما المسؤولية الكبرى فهي التي تنتظر الباحث المتخصص في
الثقافة الشعبية، فالباحث عليه أن يضع نصب عينيه الهدف الأسمى للبحث في هذا المجال
وهو الانتصار لثقافة الشعب والإعلاء من شأنها وترقيتها لمكانتها المتميزة التي
تستحقها. وللوصول إلى هذا الهدف يجب على الباحث أن يحب هذا المجال وينخرط فيه بقوة
وإيمان بالنصر وبشرعية الهدف المنشود، والبحث والجمع والتقصي ونفض الغبار عن
الموروث الثقافي، إضافة إلى أهمية التحلى بالموضوعية العلمية والتخلص من الأفكار
المسبقة في التحليل والتأويل، وبالاعتماد على كل ما وصل إليه البحث العلمي في
العلوم الانسانية من مناهج وتقنيات الدراسة والتحليل. ومن شأن هذه الخطوات انتاج
بحوث أكاديمية في المستوى المطلوب تكشف عن أهمية ما وصل إليه الانسان الشعبي من
نظريات وانتاجات معرفية لا تقل شأنا مما توصلت إليه الثقافة العالمة. وبالتالي
تعيد الاعتبار لهذا الإرث الثقافي الذي من شأن العودة إليه وتطويره الرقي بالمجتمع
وتطويره...
مقال رائع بالفعل، سلطت فيه الضوء على جانب حساس في التعامل مع التراث الثقافي الشعبي
ردحذفمشكور يا غالي