التخطي إلى المحتوى الرئيسي

في أسباب ودواعي اللجوء الى السحرة والمشعوذين ( الجزء الثالث)

بقلم رشيدة التغدويني

الواقعُ المرُّ والصّدمة من تجربة فشل كان السّبب لبعض النّساء للّجوء إلى سحرة يُمارسون السّحر الأسود، وهو كما يُعرف عند عامّة النّاس من أقوى أنواع السّحر وأكثره إلحاقا للأذى بالنّاس . ولم أصل إلى عيّنة مُريدي السّحرة إلاّ بعد عناء طويل. فهذه الزّيارة تختلف عن الزّيارات السّابقة، فكانت مجموعة من النّساء مجتمعات في مكان أمام صمت مُريب وملامح الحقد والكراهية مرتسمة على وجوههنّ. والسّؤال الّذي تبادر إلى ذهني هو؛ هل الكراهيّة تصل إلى حدّ انزلاقهن في طريق مليء بالشّر؟ 

أدلت مبحوثة (ن.م) أنّها كانت على علاقة بشاب لمُدّة 7 سنوات وكيف أنّه استغلّها، وفي الأخير قرّر الزّواج بأخرى، حاولت أن أقنعها بالاعتدال عن هذا الطّريق، ولكن دون تحريك ذرّة من المشاعر فيها "أنا دابا مبقاوشي عندي المشاعر ولّيت حجر ، بغيت نخلّيه يكوا من زبل حاشاك باش ديك ساعة عاد نبرد . الحبّ دابا رجع كلو كره

إذن الجُرح غائر.. لا يستطيع أحد ردمه إلاّ بالانتقام الّذي سيشفي الغليل، هذا ما أدلت به العينة المبحوثة .وهذه الحالة من مجموع الحالات الّتي أدلت بنفس التّصريح. فالانتقام لم ينتج عنهنّ من دون أسباب ودوافع بل إنها نتيجة للمخاوف والتّجارب الصّعبة الّتي لقيها الإنسان أو مرّ بها طوال حياته، فترسّبت في أعماقه وصارت صلبا من الكيان والسّلوك العامّ . فالإنسان حينما يُواجه معوقات أو ظلم شديد؛ لا حلّ له ولا وسيلة لتغييره أو رفعه سوى اللّجوء إلى الانتقام بالسّحر الأسود، الّذي هو هدفهم في الحياة وإلحاق الأذى بالظّالم. هذا ما أكّدته العيّنة المبحوثة وهذه المرّة من الجنس الآخر، فشاب في مُقتبل العمر مازال عازبا، كيف أنّ الغدر من طرف أحد أصدقائه أدخله إلى المُستشفى وكان على حافّة الجنون بسبب طعنة غدر من طرف هذا الصديق غير الوفيّ.  فصديقه كما قال لنا أوهمه أنّه سيقدم على صفقة ناجحة مُهمّة يحتاج إلى شريك معه وأنّه لن يجد خيرا منه، فسلّمه مبلغا مهمّا من المال دون ضمانات أو السّؤال عن طبيعة المشروع ، لأنّ ثقته في صديقه أعمته عن بعض الحقائق كما قال "القانون مكيحميشي المُغفّلين فحالي ، مشكلة لبقات في هو أنّه خوا لبلاد إلاّ كنت جبرتو نقتلو " فهذا الشّاب لم يجد طريقة تُلحق الأذى والانتقام من صديقه الخائن، سوى اللّجوء إلى هذا الفقيه الّذي تحدّث عنه سكّان الحيّ أنّه يملك مفاتيح أخطر باب يفصل بين مملكتي الإنس والجنّ. فالسّحر الأسود يتجاوز قراءة الطّالع واستطلاع الفال، فهؤلاء الفقهاء كما حدّثتني مجموعة من النّساء يعيشون في قُرى صغيرة حيث يمتهن العديد منهم الإمامة والمشارطة في مساجد بالدّواوير النّائية، كي لا يفتح عليهم باب المُلاحقة الامنيّة..
هذا الفقيه الّذي زُرناه هو بدوره يسكُن في مكان بعيد، ويلتحقُ بالمدينة يوم الخميس فقط ليعود أدراجه المساء دون معرفة أحد .
وقد رجعت إلى ذلك المكان في الأسبوع المُوالي وفي نفس اليوم ، كان المكان شبه خال وقد استغلّيت تلك الفترة كي أحاول التّحدّث معه . في الأوّل رفض وطلب منّي أن أحكي له مُشكلتي عبر الهاتف ، وبعدها آتي للزيّارة ، ولكن تمتم بكلمات غير مفهومة واستأذن بعدها لي بالكلام وقُلتُ له أنّني أريد أن أنتقم من صديقة لي في العمل، فلم يتجاوز ثانية حتّى قال لي بأنّ الأمر سهلٌ جدّا . طلب منّي فقط إحضار شيء من ملابسها .
يكفي إذن شعرة أو قطعة ثوب صغيرة أن يعمل سحر لإلحاق الأذى بالآخر .مثلا كالتّفريق بين الزّوجين ، أو الانتقام من الظّالم . فيجب أن نُشير هنا إلى أنّ الوصفات تكون أغلبها مُرتفعة الثّمن مثل " عجينة الكمرة " الّتي هي معروفة في تفريق الأزواج وهذا من اختصاص الفقيه ( السّوسي ) دون غيره . وهذا الموضوع أدّى بي إلى معرفة سرّ تلك العجينة ، فأرشدتني امرأة إلى واحدة من النّساء الّتي تُسمّى بتازوهريت أو السّحارة . وهي عالمةٌ بجميع انواع السّحر ومكوّناتها وبعد مشي لمسافة على الأرجل، لأنّ مكانها يتواجدُ في قرية لا تصلُ إليها وسائل النّقل . طرقنا الباب واستقبلتنا أنا وصديقتي في بهو منزلها ، وتفاجأت في مظهرها أنّها لم تكن تلك الّتي أتخيّلُها امرأة في الثّلاثينيّات ، ملامح الوجه الجميلة مازالت على وجهها، كما أنّ ملابسها عادية وتتكلّم بصوت كلّه خير . فتحدّثت أنّها لم تعُد تُمارس مهنة تشاوفيت منذ مدّة، ولكنّها ساعدتني بإعطائي بعض المعلومات القيّمة عن ما تُسمّى بالعجينة الكمرة الّتي تُستعملُ في الشّر والانتقام ولكنّها تمرُّ بمراحل عدّة وأنّ تحضيرها يتمُّ بصعوبة فحدّثتني أنّ الفقيه يترك قصعة من الخشب في مقبرة لمُدّة سبعة أيّام بلياليها ، يجلُب الماء من سبعة آبار وفي ليلة اكتمال البدر يذهب إلى مقبرة، وهناك يدعو كلّ الأرواح أن ينزل القمر في القصعة الّتي وضع فيها نبرة الدّقيق ، ثمّ يقوم بعجن المسك والعجينة ليحصُل على عجينة تصلُح لشتّى الأغراض وتُباع تلك العجينة بأسعار باهظة تعكس ندرتها وأهميّتها البالغة في العمليّات السّحريّة، وتستعمل للتّفريق عادة ، ويكفي أن يوضع القليل من (العجينة ) إيّاها عن طريق أحد الطّرفين أو أن تمسح بها الأصابع قبل لمس يد أحدهما لتنتهي العلاقة بين الاثنين .
فالإنسان عندما يتجرّد من الحبّ والإنسانيّة يُمكن ان يقوم بأي شيء مهما كلّفه الأمر للوصول إلى ما يريده . ولكن هل السّحر الأسود قادرٌ على إلحاق الضّرر بالآخر ؟ هذا ما أكّدت عليه العيّنة المبحوثة . ولكن تبقى مُجرّد أقاويل شفويّة يُمكنُ للصّدفة أن تلعب دورها هنا ف (ش.س) حدّثتني أنّها حاولت لأكثر من ثلاثة سنوات الانتقام من زوجها السّابق دون نتيجة " خسرت فلوسي كاملين عليه وطرقت بلعة دلبيبان أي واحد قالّي كاين شي حد دقّة بطلة . كنمشي عندو ، ولكن ما يتحقّق حتّى حاجة . راجلي عايش حياتو مزيانة مع مرا جديدة ديالو " .
إذن فالحالة هذه فنّدت كلّ الأقاويل عن قُدرة السّحر الأسود على إحداث مشاكل، او إلحاق الضرر بالآخرين . ولكن تبقى شهادتها نقطة في بحر، لأنّ أغلب النّساء أكّدن على فعاليته من بينهنّ ( م .ش) أدلت بتصريح مُهمّ أنّ زوجها تزوّج عليها دون علمها ، ولجأت إلى فقيه وأعطاها وصفة استطاعت ان تُفرّق بين زوجها وضرّتها ، وأنّها لم تندم على ما قامت به بل على العكس؛ فهي الآن كما أخبرتنا تعيشُ مع زوجها بسعادة وهناء ولا يُفكّرُ في خداعها مُجدّدا وأنّه اعتذر لها عمّا قام به .

يتبع

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دلالات الأشكال الرمزية في البساط الأمازيغي: حضور وغياب

بقلم : محمد قروق كركيش         الرموز الأمازيغية هي مجموعة من العلامات المعروفة بتصاميمها المتميزة وتتمتع بلغة فريدة وتجسد قوة مبدعيها واستقلالية خيالهم الواسع في مجال الإبداع، أما أشكالها الهندسية فهي جذابة وتوحي بدلالات ورسالات كانت سائدة قبل أن يظهر القلم والورق، فالزربية الأمازيغية تتطلب معرفة عميقة وحسابات رياضية تستحوذ على البال وهي تعد وتعد حتى تنقل عن طريق التكرار والنقل لتفادي الأخطاء مع تجنب أي إضافات تمس الهوية، فالزربية قبل أن تكون إبداعا فهي مرآة تعكس الكثير من ملامح الثقافة الفردية والجماعية.

الثقافة والتنمية المستدامة / نحو مدخل ثقافي لسؤال التنمية بالواحات المغربية

عرفت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية اهتماما متزايدا بالشؤون الثقافية، ليس فقط كوسيلة لترسيخ قيم الأجيال السابقة، والتعريف بهوية المجتمع وخصوصيته أمام الثقافات الأخرى؛ بل أصبح يرتبط أيضا بميادين وقضايا متعددة لعل من أهمها تأثيره في تنمية المجتمع ومسار تقدمه. وهذا ما برز بوضوح منذ بداية تسعينيات القرن العشرين حيث تم "تعزيز مساهمة الثقافة في التنمية المستدامة كهدف تم إطلاقه في إطار العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1998)" [1] . جاء هذا بالموازاة مع انشغال مجموعة من الباحثين بمدى تأثير العوامل الثقافية في سلوك الإنسان وأنماط تفكيره بشكل عام، وفي سيرورة التنمية ودينامية المجتمعات بشكل خاص.

قيمة الرموز في الثقافة اليهودية

يعتبر الرمز مفهوما فضفاضا واسع الاستعمالات والمضامين، ويستخدم للدلالة على معاني متعددة وفقا للسياق العام الذي تبلور فيه ضمن الخطاب، سواء أكان هذا الخطاب ميثولوجيا أسطوريا أو تيولوجيا دينيا أو أدبيا..وقد يتبلور الرمز معبرا عن نفسه في أشكال الطقوس والممارسات الاجتماعية،   أو من خلال مجموعة من الأشكال الهندسية أو الأمكنة والفضاءات التعبدية، مضفيا على ثقافة المجتمع بعدا ماديا مجسدا، وراسما له هوية تميزه وتشخصه. وكل رمز سواء أكان "ماديا" أو "غير مادي"، إنما يعبر عن مضمون ما، ويربط الانسان بدلالة محددة؛ فالأسد رمز يحمل دلالات: الشجاعة، الزعامة، البأس،.. الجبروت، حسب السياق  contexte   الذي اندرج فيه، والثقافة  culture  بوصفها خاصية انسانية، تخلق لنفسها الرموز وتضفي عليها حمولة من الدلالات، وتختلف دلالات الرموز باختلاف الثقافات التي تحتضنها كما أن نفس الرمز قد يحمل أكثر من دلالة بناء على السياق العام الذي يندرج فيه؛ "فالتراب" أو الأرض رمز للوحدة الوطنية، كما أنه قد يحمل معنى قدحيا حينما يستخدم في سياق آخر" تمريغ الإنسان وجهه في التراب". ...