التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أزدّام أو التحطب

أزدّام/ التحطب
مظهر من مظاهر معاناة النساء القرويات
بقلم سمير الساعيدي

إن الباحث الأنثروبولوجي مطالب في كل خطواته العملية المعرفية بموضعة السياق العام الذي في ظله تبلورت المفاهيم الثقافية التي يستخدمها في تحليلاته التوصيفية للظاهرة محل دراسته، وذلك لهدف علمي، يروم تقديم صورة واضحة المعالم عن المجتمع المبحوث ، وبالتالي سبر أغوار مختلف ظواهره، عبر موضعة السياق التاريخي العام الذي عايشه هذا المجتمع، هذا طبعا دون إغفال للمؤشرات و المتغيرات السوسيوثقافية والتي تؤثر بدورها على الظواهر الثقافية والاجتماعية التي يتم الاشتغال والتنقيب المعرفي عليها.

ومما لا ريب فيه؛ أن المصطلح الأمازيغي "أزدام" ⴰⵣⴷⴷⴰⵎ ، الذي يرادفه مصطلح "التحطب"  باللغة العربية؛ لا يخرج بدوره عن هذه القاعدة المتعارف عليها لدى عموم المشتغلين في علم الإنسان، لأن هذا المفهوم قد ارتبط بالمجتمعات القروية عموما وواحة فركلى - محور هذا التحليل خصوصا- خلال مرحلة تاريخية قديمة جدا، وخضع هذا "المفهوم" للتبدل والتغير موازاة بالتغيرات الموضوعية التي مست الجسد الاجتماعي الفركلي. ولعل الهدف الرئيس الذي جعلنا نقحم أنفسنا في النبش في تاريخ هذا المفهوم؛ ناتج عن رغبتنا الذاتية لتسليط الضوء لأول مرة على معاناة النساء داخل الوسط الواحي الفركلي، و على صعيد واحات وقرى المغرب بصفة عامة، وأقصد بالضبط تلكم النساء اللائي حملن على أكتافهن وظهورهن ثقل "المادة الحيوية"، فكدحن في الحقول وشاركن في أعمال البناء، وحملن على بعد مئات الأميال الحطب والصخر و الماء..بعزيمة "سيزيف" وصبر "أيوب".. ورغم أهميتهن القصوى في الحياة العامة آنئذ ، إلا أن المرأة الفركلية ظلت ولا تزال مقهورة داخل نسق ذكوري  يتغنى بالفحولة والقوة.
لقد كان الحطب مادة حيوية في مجتمع فركلي ساكن لا وقود فيه ولا غاز. وكانت مهمة التحطب رهينة بالنساء ، فهن مطالبات بقطع المسافات للتزود بالمادة ، وعادة ما يذهبن في رحلاتهن الخرافية على شكل مجموعات، التحاما ضد الوحيش وضد قساوة الظروف المرافقة لهذا العمل الشاق. 
لقد اندرج "أزدام" كحاجة حيوية أملتها الظروف وقتداك، ففي ظل محدودية وسائل الإنتاج، وستاتيكية المجال الفركلي، تضطر النساء للخروج إلى الفيافي في أوقات مبكرة جدا للتحطب ؛ إذ تستحيل الحياة بدون الحطب، فبه يتم طهي الطعام ..ما يؤكد على الوظيفة الحيوية لهذه المادة وكذا الحيوية التي تحتلها النساء المعنيات بالبحث عن هذه المادة .
لقد أكسبت العادة هذه النساء قدرة كبيرة على التحمل والكد بخاطر مرتاح وصدر رحب، هذا ما عكسته الأهازيج التي تتلى في رحلة التحطب:
ⴰⵍⵎⵄⴰⵡⵏⵜ ⵜⵉⵏ ⵔⴱⴱⵉ --- ⴰⵍⵎⵄⴰⵡⵏⵜ ⴰⵔⴰⵛⵎⵉⴷ
« alm3awnt ten rbbi *** alm3awnt arakmed » 
(التعريب: في هذا البيت تطلب النساء من الله أن يمدهن بالقوة الكافية لتحمل مشاق العمل المضني..)
ويشير هذا المقطع الأمازيغي المحلي : الى حضور "المقدس" وطلب المساعدة الإلهية في عملهن.
أما المقطع التالي: 
ⴰⵢⴰⵣⵡⴻ ⴰⴷⴻⵔⵉⵜⵙⴷⵉⴷⵉⵢⵜ__ ⴰⴳⴰⵜⴻ ⴳⴻⵔⵜ ⵢⴰⴷ ⵉⵢⴳⵛⵉⴷⵏ
« ayazwo adure-tsdidiyt *** agato geght yad iykcheden »
والذي يردد كلما باشرت النساء بحمل ما حصلنه من حطب - على شكل كتلة مستطيلة الشكل طويلة وثقيلة جدا ؛ فيشير إلى حالة سيكولوجية بالأساس، يتجلى في مطالبتهن اللاشعورية الرياح بالهدوء والسكينة، مادام الحبل محاطا بالحطب، و بالتالي انتهاء مهمة التحطب، وبداية مهمة حمله على ظهورهن لمسافات طويلة، قد تصل إلى عشرات الكلمترات، تتخللها لحظات استراحة، لأكل التمر وشرب اللبن.. كما تحكي عائشة ( سيدة في الخمسينات من العمر) وطوال هذه الرحلة تتنكب النساء عن كل ألامهن ومعاناتهن الجسدية؛ بالكلام والتنكيت والضحك أحيانا، وأحيانا أخرى بالأهازيج التي يعكس جوهرها الألم النسائي والفركلي !.. أما عندما يقتربن من باب قصورهن فإنهن يرددن عادة المطقع التالي :
ⴰⵃⵏ ⵎⴰⵢⵙ ⵏⴻⵎⴷⵀⴻⵛ +++  ⵉⵇⵉⵎⴰⵏ ⴳⴻⵎⵔⴷⵓⵍ
“ a7n mays numdhouch *** i9iman gumrdul ”
عندما تردد هذه العبارة السالفة الذكر، تجتاح الطاقة من جديد الأجساد النسائية العليلة، وتزرع في نفوسهن طاقة أقوى لحمل أثقال الحطب، و أثقال المجتمع الفركلي المندثر، فتتسارع النساء وتتسابقن لصدارة من يصل أولا الى باب القصر، ففي ذلك رمز للكاريزما والقوة النسائية العتيدة ..
الواقع أن هذا العرض المقتضب لأزدام / التحطب؛ يتغيى في جوهره تسليط الضوء على جانب من معاناة المرأة الفركلية خصوصا ، والقروية المغربية بصفة عامة، من خلال طقس من الطقوس التي كانت إلى عهد قريب سارية المفعول في الواحات، بل لا تزال حاضرة في بعض من قراه النائية إلى يومنا هذا، وهذه الطقوس بلا أدنى ريب نتيجة للفقرالوافر الذي هز أرجاء هذه المداشر طوال عقود، كما أنه نتاج لماض سحيق لا وقود فيه ولا غاز ولا تجهيزات تذكر، فكان يتم استغلال نار الحطب في إعداد شهي الطعام وفي "صناعة" الشاي وكل ما يرتبط بذلك، ما جعل من النساء المعنيات بالدرجة الأولى للبحث عن هذه المادة؛ نساء أسطوريات، بكل ما تحمله الكلمة من معاني؛ الاجلال بقوة صبر المرأة القروية وتضحياتها التاريخية التي لن تنسى.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دلالات الأشكال الرمزية في البساط الأمازيغي: حضور وغياب

بقلم : محمد قروق كركيش         الرموز الأمازيغية هي مجموعة من العلامات المعروفة بتصاميمها المتميزة وتتمتع بلغة فريدة وتجسد قوة مبدعيها واستقلالية خيالهم الواسع في مجال الإبداع، أما أشكالها الهندسية فهي جذابة وتوحي بدلالات ورسالات كانت سائدة قبل أن يظهر القلم والورق، فالزربية الأمازيغية تتطلب معرفة عميقة وحسابات رياضية تستحوذ على البال وهي تعد وتعد حتى تنقل عن طريق التكرار والنقل لتفادي الأخطاء مع تجنب أي إضافات تمس الهوية، فالزربية قبل أن تكون إبداعا فهي مرآة تعكس الكثير من ملامح الثقافة الفردية والجماعية.

الثقافة والتنمية المستدامة / نحو مدخل ثقافي لسؤال التنمية بالواحات المغربية

عرفت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية اهتماما متزايدا بالشؤون الثقافية، ليس فقط كوسيلة لترسيخ قيم الأجيال السابقة، والتعريف بهوية المجتمع وخصوصيته أمام الثقافات الأخرى؛ بل أصبح يرتبط أيضا بميادين وقضايا متعددة لعل من أهمها تأثيره في تنمية المجتمع ومسار تقدمه. وهذا ما برز بوضوح منذ بداية تسعينيات القرن العشرين حيث تم "تعزيز مساهمة الثقافة في التنمية المستدامة كهدف تم إطلاقه في إطار العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1998)" [1] . جاء هذا بالموازاة مع انشغال مجموعة من الباحثين بمدى تأثير العوامل الثقافية في سلوك الإنسان وأنماط تفكيره بشكل عام، وفي سيرورة التنمية ودينامية المجتمعات بشكل خاص.

قيمة الرموز في الثقافة اليهودية

يعتبر الرمز مفهوما فضفاضا واسع الاستعمالات والمضامين، ويستخدم للدلالة على معاني متعددة وفقا للسياق العام الذي تبلور فيه ضمن الخطاب، سواء أكان هذا الخطاب ميثولوجيا أسطوريا أو تيولوجيا دينيا أو أدبيا..وقد يتبلور الرمز معبرا عن نفسه في أشكال الطقوس والممارسات الاجتماعية،   أو من خلال مجموعة من الأشكال الهندسية أو الأمكنة والفضاءات التعبدية، مضفيا على ثقافة المجتمع بعدا ماديا مجسدا، وراسما له هوية تميزه وتشخصه. وكل رمز سواء أكان "ماديا" أو "غير مادي"، إنما يعبر عن مضمون ما، ويربط الانسان بدلالة محددة؛ فالأسد رمز يحمل دلالات: الشجاعة، الزعامة، البأس،.. الجبروت، حسب السياق  contexte   الذي اندرج فيه، والثقافة  culture  بوصفها خاصية انسانية، تخلق لنفسها الرموز وتضفي عليها حمولة من الدلالات، وتختلف دلالات الرموز باختلاف الثقافات التي تحتضنها كما أن نفس الرمز قد يحمل أكثر من دلالة بناء على السياق العام الذي يندرج فيه؛ "فالتراب" أو الأرض رمز للوحدة الوطنية، كما أنه قد يحمل معنى قدحيا حينما يستخدم في سياق آخر" تمريغ الإنسان وجهه في التراب". ...