بقلم الباحث: محمد قروق كريكش
تمهيد :
إن مسألة التعدد
اللغوي في المغرب لا تتعلق بفترة معينة من تاريخه ، أو بزمن معين كان فيه المغرب
أحادي أو متعدد اللغة في نفس الوقت ، بل إن هذا الموضوع متشعب للغاية ويرتبط أشد
الارتباط بسياقات متنوعة ، تتنوع بين ما هو تاريخي وجغرافي ولساني ، بل حتى ثقافي
وسياسي واجتماعي ، لذلك فأول مشكل يطرح أمامنا و بشدة ، هل كان المغرب بلدا متعدد
اللغة في فترة ما وأحادي اللغة في فترات أخرى ؟ ربما لـــــــــــــــلإجابة على
هذا السؤال ينبغي العودة إلى العمق التاريخي القديم الذي تميز به المغرب ، لنرصد
أقلها التطورات الرئيسية لنشوء التعدد اللغوي في الجغرافية المغربية بتفرعاتها المتنوعة
؛ إذ يفرض المنطق التاريخي علينا نفسه كمبحث رئيس لتوضيح التداخل القائم بين
اللغات التي وجدت في المغرب منذ الأزل ، ثم كيف أثر هذا التاريخ في الظروف
الاجتماعية الواقعية للجغرافية اللغوية بين الشمال و الجنوب والشرق والغرب .
يفرض المنطق
الاجتماعي والواقعي إذا نفسه كمبحث ثاني في هذه المداخلة ، لنعرف كيف تتعدد اللغة
في المغرب مجاليا ، والمجال حقيقتا لابد أن يرتبط بسياقات متعددة منها ما هو
تاريخي نفسه ، ولابد أن نشير منذ البداية إلى ما عرفه المغرب من اكراهات سياسية
بالخصوص ، وما للدور الذي لعبه الاستعمار
في خلخلة البناء الثقافي و القيمي للمغرب ، مما أثر على اللسان واللغة على
وجه التخصيص ، إذ أن التعدد اللغوي في المغرب حكمتها هذه الخلفيات إلى جانب عوامل
أخرى كثيرة لا يسع المجال لذكرها ، وأشير منذ البداية أن مداخلتي لن تتعد عاملين
اثنين :
-
الظروف التاريخية
بما حملته من تغيرات على مستوى التعدد اللغوي بالمغرب .
-
ثم ماذا تأثير
العامل التاريخي على الجغرافية اللغوية بالمغرب وبالخصوص الحضارات التي تعاقبت
عليه، من الشمال إلى الجنوب ثم من الشرق إلى الغرب ، وكيف تحكمت تلك التدخلات
والحضارات على اللغة المغربية اجتماعيا .
1- تاريخانية التعدد اللغوي بالمغرب :
2- أصائب ما كان يقوله الرسام الألماني – السويسري ’’ بول
كلي ’’ أنا هو أسلوبي ، أم الصواب هو العكس : أسلوبي هو أنا [1]،
اللغة و النحن : من يشكل من ؟، أم أنهما رأيان سديدان ، معا ، بوجه أو بأخر ، أو
لسبب أو لأخر ؟ ، أم انه لا فرق أصلا بين هذا وذاك ، وأن تلمس الفرق لا يخرج عن
كونه فذلكة لغوية وتلاعبا بالكلمات ، لا أكثر وربما أقل ؟ ذلك يحيل ما يحيل على أن
اللغة تسكننا بتعبير ’’ بورس ’’ وهي تشكلنا لأنها هويتنا التي لا محيد عنها ، إنها
تاريخنا قهرا ، فنحن نعبر بها ومن خلالها عن أفكارنا ؛ طموحاتنا ؛ تواصلنا مع
البعض ؛ أحلامنا ، وكل ما له علاقة بالكائن الإنساني ، يجرنا هذا الحديث إذن إلى
مسألة مهمة جدا ، هي أن نربط اللغة بالهوية ومن ثمة بالتاريخ التراتبي للمجتمع ،
أي مجتمع ؟ إنه المغرب المتعدد و المزيج بالتعبير الباسكوني ، ولربما يمكن أن نصرح
في البداية بان تاريخ المغرب منذ القدم عرف تغيرات مهمة على مستوى اللغة ؛ فكانت
تتغير بتغير النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي أيضا ، وقد شكلت التجارة من جهة
، والهجرات من جهة ثانية ، والاستيطان من جهة ثالثة ، مؤشرات قوية على وجود تعددية
لغوية في المغرب منذ القدم .
لقد شكلت نواحي
المغرب الأربع منذ أقدم العصور ثقافة متميزة تعبر عن بعد تاريخاني عميق ، إذ تعتبر
اللغة طريقا لإظهار هذه الثقافة فيمكننا أن نقول بأن حدود المغرب الأربع قد لعبت
دورا هاما في لغة القوم وحديثهم ، ويحق لنا أن نتساءل عن اللغة الرئيسية التي كانت
سائدة عند سكان المغرب الأولين ، هل هي الأمازيغية أم اليهودية ؟ أم الفينيقية
والرومانية ؟ أم أنها العربية أم التركية والفارسية ؟ ولربما قد تكون لغة أخرى لم
يستطع التاريخ العثور عليها ، إن هذه التساؤلات لا تحيلنا فقط عن اللغات المستعملة
في الزمن التاريخي للمغرب ، لكنها تحيلنا في معنى أخر عن القوميات التي سكنت هذا
المجال منذ عقل التاريخ عن نفسه ، ومنذ بدأنا نعي فعلا أن المغرب بلدا متعدد
اللغات .
وحقا منذ بدأ هذا الوعي تحدثنا دراسات كثيرة على
أن أول لغة وجدت في المغرب كانت الأمازيغية القحة ، حتى ظهرت تفرعاتها في المجال
المغربي مع نمو الساكنة ، دراسات أخرى تحدثنا عن أن اليهود كانوا أول المعمرين
لهذا المجال – المغرب - ، لكن لا يهمنا البحث عن أصل من عمر المغرب أولا ؛ لأن ذلك
متجاوز الآن ، فهدفنا هو أن نقر بأنه فعلا عرف المغرب لغات متعددة منذ القدم حتى
الآن ، وهذا يعني أنه كما تبتت الدراسات الحديثة أن اللغة الأمازيغية هي من كانت
سائدة في المغرب أنذاك ، لكنها فيما بعد لم تعد وحدها ، فولج العنصر اليهودي بلغته
العبرية من الأندلس ، مما يعني أن المغرب عرف منذ القدم لغات أخرى ظلت لغة غير
ممارسة من طرف الجميع ، لكنها حققت مبدأ التعدد ، من هنا نجد أن اللغة العبرية لها
جذور في الغرب الإسلامي ، " إذ يعتبر
اليهود أول مجموعة بعد الأمازيغ وفدت على المغرب وما تزال تعيش فيه إلى يومنا هذا
" [2] وقد
حافظوا على لغتهم – العبرية - كلغة حية قائمة الذات يتواصلون بها بينهم ؛ معنى ذلك
أن الأمازبغ لم يفرضوا لغتهم على اليهود وإنما احتكت لغتهم باليهود تجاريا ، ويمكن
أن نفترض حسب ما جاء في كتاب ’’ حاييم الزعفراني ’’ بأنه كان هناك تمازج بين
المسيحية واليهودية والوثنية في مغرب ما قبل الإسلام ؛ إذ يحكي اخباريوا القرن 14
عشر ، أن ادريس الأول وجد أمامه عندما فتح المغرب ، قبائل مسيحية ويهودية ووثنية [3] ،
ومعنى هذا أن المغرب في تلك الفترة عرف تعددا مهما في اللغات ، فنجد عند ’’ الحسن
الوزان ’’ أن الكثير من ثغور شمال أفريقيا كانت محتلة من طرف المسيحيين من وهران
المدينة الجزائرية حتى سواحل المغرب الأقصى الشمالية والغربية [4]،لكن
ظلت اللغة الأمازيغية هي المنتشرة بكثرة نظرا لعامل النمو الديموغرافي المتواجد في
المنطقة .
لكن يحدثنا
التاريخ أيضا أن المغرب عرف سلسلة من التغيرات في فترة ما قبل الإسلام ، ولا يتعلق
الأمر هنا باللغة العبرية أو الأمازيغية ، بل " بولوج العنصر الفينيقي الذي أسس مدينة
طنجة في القرن الخامس عشر ، فصار هذا العنصر همزة وصل بين الجاليات الفينيقية
والإسبانية من جهة ، وبين المغرب من جهة ثانية ، وكان المغرب الفينيقي بين ثلاث
عوامل ، إما الاستمرارية في التأثر بقرطاجنة أفريقيا بطريق مباشر ، أو التأثر
بقرطاجنة الأندلس لقربها من المغرب ، أو محاولة إيجاد عالم فينيقي مغربي ممتزج
يتخذ لنفسه صفة الاستقلال "[5] ، إن
هذا يحيلنا مباشرة إلى أن المغرب عرف تعددا مهما من حيث القوميات مما حدى بتعدد
اللغات ، فلابد للفينيقيين أنهم أتوا بلغتهم الأصلية ، واللغة الفينيقية كما نعلم
لغة سامية غربية ، إلا أن الأثر الثقافي الفينيقي في المغرب كان ضعيفا جدا ، لأن
الأمازبغ اغتنموا فرصة قيام الحرب بين الفينيقيين والرومان وكونوا ابراطورية
مستقلة في المغرب الأقصى فانتعشت الآداب الأمازيغية بالخط اللوبي أو البربري
القديم " تيفيناغ " [6].
ولم يقتصر المغرب
على الغزو الفينيقي فقط ، بل استولى الرومان عليه في القرن الأول قبل الميلاد ،
وخصوصا الجزء الشمالي منه ، واختاروا طنجة لتكون العاصمة الساحلية و "
فولوبيليس " – وليلي حاليا – في منطقة زرهون قرب مكناس لتكون العاصمة
المركزية [7]، وكل
هذا ليس بغرض الرجوع إلى الرصد التاريخي من أجل كتابة التاريخ ، ولكن لكي نبرر أن
التعدد اللغوي في المغرب ظاهرة قديمة ، إلا أنه يمكننا القول أنهم لم يخلفوا أثارا
لغوية يُعتد بها .
وحتى هنا لا نجد
أثرا للغة العربية بحكم أنها ستلج مع الفتح الإسلامي ودخول المسلمين لشمال إفريقيا
ومعهم الدين الجديد ، إن ما كان يحكم التعدد اللغوي في المغرب قبل الإسلام هو عامل
النمو السكاني من جهة ، ثم العامل السياسية المتمثل في الاستعمار المبكر للمغرب ،
بالإضافة إلى عوامل أخرى فرعية من قبيل التجارة وما يتعلق بالاقتصاديات الصغرى
والكبرى ، وهذا التعدد لم يكن كما قلنا شاملا بحيث يجعل الأمازيغي يتكلم اللغة
الأصلية ثم العبرية أو اللاتينية و الروماني يتكلم البربرية ثم لغته الأصلية، بل
ظلت اللغة في تعددها تخضع لتعدد القوميات الموجودة آنئذ ، كما تخضع لمبدأ القوة و
الضغط .
وعندما بدأ العرب
في غزو أفريقية وجدوا هذه النواحي كما ترصد الكتب التاريخية في سكون شامل وهدوء
كامل ، حيث استقر عرب الفتح في الأمصار ومصر وشمال إفريقيا ، وعبروا بوغاز جبل
طارق واجتازوا الجزيرة الأيبيرية حتى وصلوا مدينة بواتييه ، فاندمجوا في المغرب مع
الأمازبغ ، يقول ابن خلدون : " هؤلاء كلهم أنفقتهم الدولة الإسلامية العربية
، فأكلتهم الأقطار المتباعدة ، واستلهمتهم الوقائع المذكورة ، فلم يبقى منهم عشير
يعرف ولا قليل يذكر ، ولا عاقلة تحمى جنابة ولا عصابة بصريخ إلا سمع من ذكر
أسمائهم في أنساب أعقاب متفرقين في الأمصار التي لحموها بجملتهم فتقطعوا في البلاد
ودخلوا بين الناس " [8]، وهذا
الاندماج بين العرب و البربر أثناء الفتح وجد أمامه عائق اللغة ، إذ كيف سيخضِع
المسلمون البربر وهم لا يتقنون العربية وكيف سيتقبلون الدين الجديد ؟
إن هذا بالكاد يضعنا أمام مشكلة اللغة ، إذ لم
نعد نتحدث عن لغة واحدة بقدر ما نحن أمام لغتين أو أكثر ، إن هذه التعددية اللغوية
سيحكمها في المغرب عامل أخر هو أن يعربوا الأمازيغ لفهم الدين الإسلامي ، ولكن في
نفس الوقت التي سيتم فيه تعريب البربر ، فإن من العرب من سيتعلم اللغة الأمازيغية،
لنكون أمام ازدواجية لغوية تتعلق بالفرد من جهة ، وتعددية لغوية تحكم المجال
الجغرافي من جهة ثانية .
و استقرار عرب الفتح في الأمصار ، شجع كثيرا من
بطون القبائل العربية في الجزيرة على اللحاق بذويهم من الجنود والحكام والعرب ،
فخرج العرب إلى البلاد المفتوحة في شكل هجرات ، وأهم هذه الهجرات بعد الفتح الأول "
هجرة بني هلال في العام الخامس الهجري ، وترجع أهميتها إلى انتشار جميع أفرادها في
أنحاء بلاد المغرب حتى وصولهم إلى طنجة واختلاطهم مما كان له أثر عظيم في اللغات
البربرية التي كانت سائدة في القرون السابقة " [9]، وحتى
هذا العصر عاش المغرب تعددا كبيرا على مستوى اللغة ، لكن هذا التعدد سيستمر في
العصر الحديث بطرق أخرى .
فقد ظلت اللغتان
الأمازيغية والعربية تستعملان بكثرة في المغرب حتى العصر الحديث ، وهذا الاستعمال
تقاسمت فيه اللغتان خصائص وظيفية يعبر بها كل شعب وكل قوم عن حاجاته النفسية
والاجتماعية والاقتصادية ، حتى أنه عندما تلاقت القبائل البربرية والعربية مع
بعضها البعض وتوحدت لغويا ، نتجت لنا لغة أخرى قريبة من العربية ؛ ما هي إلا
اختلاط بين الفصحى و الأمازيغية ، تسمى العامية المغربية أو " اللغة الدارجة
" لها خصائص تميزها على اللغة الفصحى ، من هنا عوض أننا نحصل على لغتين ،
أصبح لنا ثلاث لغات مختلفة نسبيا عن بعضها البعض ، فلا الدارجة تشبه الأمازيغية و
لا هذه الأخيرة تشبه العربية .
هذا التعدد ظل
قائما حتى أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، حيث سيتدخل الإستعمار
الفرنسي ليغطي الوسط المغربي وبعض تخوم الصحراء والجهة الشرقية مع الحدود
الجزائرية [10]، و
الاستعمار الإسباني الذي سيغطي مجمل أراضي الصحراء المغربية الجنوبية بالإضافة إلى
منطقة الشمال ؛ ثم فتح منطقة طنجة على الحدود الدولية باعتبارها لا تخضع للسيادة
الفرنسية ولا الاسبانية ، ولكن لتصبح مدينة دولية ، هذه التدخلات ستجعل من المغرب
بلدا مشتتا ثقافيا ، على اعتبار أن هذه الدول ستأتي إلى المغرب محملة بثقافة ولغة
جديدتين عليه ، مما سيجعل البنيات الاجتماعية والثقافية للمغرب تنهار وتتفكك شيئا فشيء
.
إن البناء الثقافي
لكل مجتمع لا يمكن أن يتأسس خارج اللغة ، لأن هذه الأخيرة هي العامل الأساس المعبر
عنها ، فأي كانت اللغة قوية ومتعددة ، كانت الثقافة متعددة ، معنى ذلك أن اللغة هي
أداة استعمال من جهة وأداة تواصل بين الجماعات داخل المجتمع الواحدة من جهة ثانية
، وعندما نصبح أمام تعدد في اللغة نكون أمام تعدد في الثقافة ، بل إن هذا التعدد
في اللغة داخل الثقافة المتعددة سيجعل من اللغات المتعددة الموجودة لا تخدع لمبدأ
التعميم ؛ بل تخضع لمبدأ التخصيص ، إذ تستعملها كل جماعة لنفسها ، كما يحدث في بعض
القبائل الأمازيغية التي لا تعرف العربية ، وكما تعرفها بعض القبائل العربية
المغربية التي لا تعرف الأمازيغية ، بل حتى اليهودية المغربية التي لا تعرف
الأمازيغية والعربية ، ما نريد أن نقوله هو أنه مع التدخل الاستعماري الجديد
للمغرب ، سنصبح أما تعدد كبير في اللغات ؛ أمام العربية و الأمازيغية و الدارجة من
جهة ، ثم أمام اللغة الفرنسية والإسبانية من جهة ثالثة ، ثم اللغة الإنجليزية التي
ستدخل إلى المغرب عن طريق مدينة طنجة ذات الوضع الدولي وستفرض قوتها بشكل قوي حتى
بعد الاستقلال كقوة اقتصادية وكلغة عالمية .
تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تسرنا