التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المُعتقـــدات الشّعبيّــة الشّائعـــة في تنشئــة الأبنــــاء (الجزء الخامس من سلسلة مقالات الباحثة رشيدة التغدويني)

بقلم رشيدة التغدويني


        إنّ التّراث الشّعبي يُمثّلُ العناصر الثّقافية الّتي خلّفها الشّعب أو الموّاد الثّقافية الخاصّة به (مواد ثقافة ، عقليّة ، اجتماعية ، ماديّة ) والتّراث الشّعبي ؛ عبارة عن المُعتقدات الشّعبيّة والعادات الاجتماعية الشّائعة وكذلك الرّوايات الشّعبيّة، ويُشير اسم التّراث الشّعبي إلى أنّنا نتناول هنا تُراثا شفاهيا فينتقل من جيل إلى جيل في ثقافة مجتمع من المجتمعات.ويُعدّ التّراث الشّعبيُّ جزءا من الثّقافة العامّة لهذا المُجتمع أو ذاك ، حيث يتمّ نقل الثّقافة وإكتسابها  عن طريق التّنشئة الاجتماعيّة.

إنّ السّحر والشّعوذة بدورهما يتوارثان من جيل إلى جيل ، قد يتمُّ في أغلب الأحيان عن وعي  . فالطّفل عندما يولدُ وهو يسمعُ حكايات عن "الجنّ" ولالة "عيشة قنديشة" وغيرها من الأساطير الشّفوية الّتي "تُخوّفنا" " عنداك تبقى فزنقة بعد المغرب راه كاينين الجنون كيسرقو لولاد ستتوين " فهذا رسخ في أعماقنا وجود عالم خفيّ باستطاعته تحويل حياتنا إلى جحيم، كما أنّ الأسرة تزرعُ في الأطفال أفكار عن وجود عين شرّيرة تُحدّق بهم أينما توجّهوا . لهذا عادة ما تجد كثيرا من الناس يعلقون التمائم على أعناقهم، هذا ما ادلت به مبحوثة " أنا كنعلّق لحجاب باش نحمي راسي وولادي ، أنا شُفت ياما منّي كُنّا صغار وهي كتعملنا الحرز باش ما نتعينوش " . 

إذن فالأمّ والأسرة تُلقّنُ الطّفل مُنذ نعومة أظافره عادات وقيم ينقلها هو الآخر إلى أبنائه مستقبلا.
ز. م) شابّة في مُقتبل العُمر مُدمنة على زيارات "الأولياء" "والصّالحين" لسبب واحد؛ وهو أنّ أمّها عندما كانت صغيرة كانت ترافقها باستمرار للأضرحة ، وبالرّغم من انها ذات مستوى تعليمي لا بأس به؛ قالت أنّها من الصّعب ان تتخلّى عن هذه العادات " خصني كل شهرين نزور ولا نكون ماشي هي هاديك " فمن الأمّ استمدّت هذه العادة الّتي كما أخبرتنا لا تستطيعُ أن تعيش بدونها ، كما أدلت حالة أخرى بنفس الفكرة وأنها منذ أن فتحت عيناها على الدّنيا وأمّها تقوم بإشعال البخور من الجاوي والحرمل ليطرد حسب زعمها الشّياطين من المنزل، وتعليق العين أو الخميسة الّتي تُباعُ على شكل قلادات في الأسواق بأثمان رمزيّة ، ولكن منافعها كثيرة على حدّ قولها .
استدراكا لما قُلناه عن شخصية "عيشة قنديشة" على أنّها جنّية وساحرة شمطاء تحضرُ على لسان أيّ مغربي ، فهي بزعمهم عجوز -حاسدةٌ؛ تقضي مُطلق وقتها في حبك التّفريق بين الأزواج، وتارة أخرى تأخذ شبها قريبا للماعز أو من " بغلة الروضة" فتبدو مثل امرأة فاتنة الجمال تخفي خلف ملابسها نهدين مُتدليّين، وقدمين تُشبهان حوافر الجمال أو البغال ، كما أنّها تقوم بقتل الأطفال فلا يُمكنُ لأيّ مغربيّ أن يسلم من تخويفه في صغره بجنيّة عيشة كندية أو عيشة البحرية . 
إذن فالأسرة والمُجتمعُ لهُما دورٌ مُهمٌّ في ترسيخ المُعتقدات السّحريّة في الأطفال وبالتّالي المُساهمة في انتشار السّحر والشّعوذة في المُجتمع المغربي .
          يتبع...




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دلالات الأشكال الرمزية في البساط الأمازيغي: حضور وغياب

بقلم : محمد قروق كركيش         الرموز الأمازيغية هي مجموعة من العلامات المعروفة بتصاميمها المتميزة وتتمتع بلغة فريدة وتجسد قوة مبدعيها واستقلالية خيالهم الواسع في مجال الإبداع، أما أشكالها الهندسية فهي جذابة وتوحي بدلالات ورسالات كانت سائدة قبل أن يظهر القلم والورق، فالزربية الأمازيغية تتطلب معرفة عميقة وحسابات رياضية تستحوذ على البال وهي تعد وتعد حتى تنقل عن طريق التكرار والنقل لتفادي الأخطاء مع تجنب أي إضافات تمس الهوية، فالزربية قبل أن تكون إبداعا فهي مرآة تعكس الكثير من ملامح الثقافة الفردية والجماعية.

الثقافة والتنمية المستدامة / نحو مدخل ثقافي لسؤال التنمية بالواحات المغربية

عرفت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية اهتماما متزايدا بالشؤون الثقافية، ليس فقط كوسيلة لترسيخ قيم الأجيال السابقة، والتعريف بهوية المجتمع وخصوصيته أمام الثقافات الأخرى؛ بل أصبح يرتبط أيضا بميادين وقضايا متعددة لعل من أهمها تأثيره في تنمية المجتمع ومسار تقدمه. وهذا ما برز بوضوح منذ بداية تسعينيات القرن العشرين حيث تم "تعزيز مساهمة الثقافة في التنمية المستدامة كهدف تم إطلاقه في إطار العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1998)" [1] . جاء هذا بالموازاة مع انشغال مجموعة من الباحثين بمدى تأثير العوامل الثقافية في سلوك الإنسان وأنماط تفكيره بشكل عام، وفي سيرورة التنمية ودينامية المجتمعات بشكل خاص.

قيمة الرموز في الثقافة اليهودية

يعتبر الرمز مفهوما فضفاضا واسع الاستعمالات والمضامين، ويستخدم للدلالة على معاني متعددة وفقا للسياق العام الذي تبلور فيه ضمن الخطاب، سواء أكان هذا الخطاب ميثولوجيا أسطوريا أو تيولوجيا دينيا أو أدبيا..وقد يتبلور الرمز معبرا عن نفسه في أشكال الطقوس والممارسات الاجتماعية،   أو من خلال مجموعة من الأشكال الهندسية أو الأمكنة والفضاءات التعبدية، مضفيا على ثقافة المجتمع بعدا ماديا مجسدا، وراسما له هوية تميزه وتشخصه. وكل رمز سواء أكان "ماديا" أو "غير مادي"، إنما يعبر عن مضمون ما، ويربط الانسان بدلالة محددة؛ فالأسد رمز يحمل دلالات: الشجاعة، الزعامة، البأس،.. الجبروت، حسب السياق  contexte   الذي اندرج فيه، والثقافة  culture  بوصفها خاصية انسانية، تخلق لنفسها الرموز وتضفي عليها حمولة من الدلالات، وتختلف دلالات الرموز باختلاف الثقافات التي تحتضنها كما أن نفس الرمز قد يحمل أكثر من دلالة بناء على السياق العام الذي يندرج فيه؛ "فالتراب" أو الأرض رمز للوحدة الوطنية، كما أنه قد يحمل معنى قدحيا حينما يستخدم في سياق آخر" تمريغ الإنسان وجهه في التراب". ...