التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الثقافة في سيرورة التصنيف الاجتماعي

بقلم الباحث محمد بوا



تعد الثقافة من المرتكزات الأساسية التي تنبني عليها حياة الإنسان داخل مجتمع معين، فهي تتحدد في مجموعة من القناعات، العادات، القيم، المعتقدات، طريقة العيش والتقاليد التي يتمسك بها الأفراد داخل مجتمع معين، إنها السبيل الذي يمكن الرجوع إليه في فهم وتفسير سلوك الفرد داخل المجتمع، في تشخيص وعلاج بعض الأمراض النفسية وفي فهم نمط تفكير مجتمع معين.
إن الثقافة في معناها العام هي مجموعة من الخصائص التمييزية، المثالية والمادية، الفكرية والعاطفية التي تميز مجتمع معين. على المستوى الفردي: هي  مجموعة من المعارف المستفاذة والتعليمات.
أما على المستوى الجماعي: فهي تمثل مجموعة من البنيات الاجتماعية، الدينية والسلوكات التي تميز مجتمعا معينا. وهو ما يحيلنا إلى القول بأن هناك ثقافة فردية وثقافة جماعية تترسخ في الفكر الجمعي للأفراد داخل المجتمع.

في الواقع لايمكننا الحديث عن ثقافة واحدة في عصرنا الحالي، خاصة داخل مجتمعنا المغربي الذي يتكون من مزيج من الثقافات؛ الثقافة الأمازيغية، الثقافة الحسانية، الثقافة العربية، الثقافة الإفريقية...الخ إذ يمكننا أيضا أن نجد مجموعة من الثقافات داخل المدينة الواحدة. صحيح أن هذا التعدد الثقافي أمر طبيعي يخضع له منطق الحياة عند الإنسان، إلا أن ما يجعل هذا التعدد أمرا خطيرا على المجتمع هو أن الفرد في تفاعله مع أفراد آخرين يخضعها إلى منطق التصنيف، بحيث أن الفرد داخل المجتمع يلجأ إلى تقسيم الأفراد  على ضوء انتماءهم الثقافي فيقول هذا عربي وهذا أمازيغي والآخر يهودي...الخ
التصنيف الاجتماعي كما عرف في علم النفس الاجتماعي له وظيفة تبسيط المحيط، وهو يولي الاهتمام في تقسيم الأفراد على "نحن" in-group و "هم" out-group(Alain Cerclé et Alain Somat.2005 P54). إنه سيرورة سوسيومعرفية تقوم على تصنيف الأفراد إلى فئات بالإعتماد على مجموعة من الخصائص المتنوعة: الخصائص النفسية، العادات والتقاليد والأنشطة المنتظمة. إذن عندما نتحدث عن التصنيف الاجتماعي، فإننا نتحدث عن طريقتنا الإعتيادية في معالجة الواقع الذي يحيط بنا، وطريقتنا في إدراك الآخر، إنها من الخصائص الأساسية التي تميز السيرورات السوسيومعرفية التي تهتم بدراسة تنوع الخصائص الاجتماعية للأفراد وتقسيمهم في خانات محددة.
إذا ما رجعنا إلى تحليل بعض السلوكات التمييزية العنصرية التي تنخر جسد واحة فركلة باعتبارها خليطا من الأعراق والإثنيات، يمكن أن نقول بأنها نتاج لهذه السيرورة التصنيفية والتفييئية التي تجعل الأفراد في تفاعلهم داخل المجتمع الفركلي يقولون هذا من " أيت عطا" ، "إقبليين" أو "أيت مرغاد" وهذا أسود وذاك أبيض...الخ. ويمكن أن نرجع هذا إلى أن الفرد في تصنيفه يميل عاطفيا وعلى المستوى النفسي إلى العرق الذي ينتمي إليه أو الثقافة التي ينتمي إليها. إضافة إلى الأمية والجهل اللذان يعشعشان داخل الواحة، الأمر الذي يجعل السيرورة التصنيفية تنشط بشكل ساذج وبفكر عامي.
لقد كان ( تاجفيل، شييخ، جاردنر 1964 (Tajfal , Sheikh,Gardner  من الباحثين الأوئل الذين لفتوا الإهتمام لدراسة مثل هذه السلوكات، عندما قام بتجربة على مجموعة من الجماعات العرقية والمختلفة ثقافيا. وهو الأمر الذي جعله يلفت الانتباه إلى عنصر مهم في سيرورة التصنيف الاجتماعي، وهو بروز مجموعة من الاختلافات بين أعضاء المجموعات، إضافة إلى أنه عندما يكون هناك تصنيف بين أفراد مجموعات ينتمون إلى ثقافات مختلفة فإنه يكون هناك ميل إلى إظهار بعض السلوكات التمييزية والتقييمية ضد أعضاء المجموعة المختلفة، وذلك راجع إلى زمرة من العوامل التي لها علاقة بالقيم، الهوية الاجتماعية والثقافة...الخ.









تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دلالات الأشكال الرمزية في البساط الأمازيغي: حضور وغياب

بقلم : محمد قروق كركيش         الرموز الأمازيغية هي مجموعة من العلامات المعروفة بتصاميمها المتميزة وتتمتع بلغة فريدة وتجسد قوة مبدعيها واستقلالية خيالهم الواسع في مجال الإبداع، أما أشكالها الهندسية فهي جذابة وتوحي بدلالات ورسالات كانت سائدة قبل أن يظهر القلم والورق، فالزربية الأمازيغية تتطلب معرفة عميقة وحسابات رياضية تستحوذ على البال وهي تعد وتعد حتى تنقل عن طريق التكرار والنقل لتفادي الأخطاء مع تجنب أي إضافات تمس الهوية، فالزربية قبل أن تكون إبداعا فهي مرآة تعكس الكثير من ملامح الثقافة الفردية والجماعية.

الثقافة والتنمية المستدامة / نحو مدخل ثقافي لسؤال التنمية بالواحات المغربية

عرفت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية اهتماما متزايدا بالشؤون الثقافية، ليس فقط كوسيلة لترسيخ قيم الأجيال السابقة، والتعريف بهوية المجتمع وخصوصيته أمام الثقافات الأخرى؛ بل أصبح يرتبط أيضا بميادين وقضايا متعددة لعل من أهمها تأثيره في تنمية المجتمع ومسار تقدمه. وهذا ما برز بوضوح منذ بداية تسعينيات القرن العشرين حيث تم "تعزيز مساهمة الثقافة في التنمية المستدامة كهدف تم إطلاقه في إطار العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1998)" [1] . جاء هذا بالموازاة مع انشغال مجموعة من الباحثين بمدى تأثير العوامل الثقافية في سلوك الإنسان وأنماط تفكيره بشكل عام، وفي سيرورة التنمية ودينامية المجتمعات بشكل خاص.

قيمة الرموز في الثقافة اليهودية

يعتبر الرمز مفهوما فضفاضا واسع الاستعمالات والمضامين، ويستخدم للدلالة على معاني متعددة وفقا للسياق العام الذي تبلور فيه ضمن الخطاب، سواء أكان هذا الخطاب ميثولوجيا أسطوريا أو تيولوجيا دينيا أو أدبيا..وقد يتبلور الرمز معبرا عن نفسه في أشكال الطقوس والممارسات الاجتماعية،   أو من خلال مجموعة من الأشكال الهندسية أو الأمكنة والفضاءات التعبدية، مضفيا على ثقافة المجتمع بعدا ماديا مجسدا، وراسما له هوية تميزه وتشخصه. وكل رمز سواء أكان "ماديا" أو "غير مادي"، إنما يعبر عن مضمون ما، ويربط الانسان بدلالة محددة؛ فالأسد رمز يحمل دلالات: الشجاعة، الزعامة، البأس،.. الجبروت، حسب السياق  contexte   الذي اندرج فيه، والثقافة  culture  بوصفها خاصية انسانية، تخلق لنفسها الرموز وتضفي عليها حمولة من الدلالات، وتختلف دلالات الرموز باختلاف الثقافات التي تحتضنها كما أن نفس الرمز قد يحمل أكثر من دلالة بناء على السياق العام الذي يندرج فيه؛ "فالتراب" أو الأرض رمز للوحدة الوطنية، كما أنه قد يحمل معنى قدحيا حينما يستخدم في سياق آخر" تمريغ الإنسان وجهه في التراب". ...