التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المُعتقـــدات الشّعبيّــة الشّائعـــة في تنشئــة الأبنــــاء (الجزء السادس من سلسلة مقالات الباحثة رشيدة التغدويني)

بقلم الباحثة: رشــــيدة التغدويــــني


         إنّ الصّحة كما يُقالُ تاجٌ فوق رؤوس الأصحّاء ، فالإنسان المريض يطرق جميع الأبواب كي يجد علاجا لمرض نخر جسده حتّى لو كان على حساب عقيدته ( س. م) شابّة في مُقتبل العُمر بزيّ إسلاميّ محض وابتسامة عريضة، تُخفي من وراء ذلك أوجاعها ، فأمّها هي الّتي تحدّثت نيابة عنها ، فتلك الفتاة كانت تُعاني من مرض مُزمن منذ 6 سنوات ولم تترك شيئا إلاّ وجرّبته.. وكانت رحلتها مع المرض (تبكي) . فالأطبّاء لحدّ الآن كما قالت لم يكتشفوا مرضها وأخصّائيين نفسيّين أرهقوها بالأدوية المُضادّة للاكتئاب والأرق ، بالرّغم من ذلك فلم تيأس في البحث عن العلاج. وفي الأخير اختارت العلاج بالطّب الشّعبي الّذي يستمدُّ قواعده وقواميسه من علوم "الطّب العربيّ" فهذا النّوع من العلوم كان يُدرّس في جامعة القرويّين خلال أبهى عُصور مجدها، وتأثيراتها العلاجيّة تكون إمّا عُضوّية ( العلاج بالأعشاب أو نفسية والكي ) وليست في كلّ الأحوال "سحريّة" لنصبّ اهتمامنا بالأساس على اعتقاد المغاربة في مسؤوليّة الجمّ في الإصابة بالأمراض أي مرض باعتباره لعنة تُلاحقُ بها كائنات الخفاء الإنسان، ولا يتأتى علاجها إلاّ باللّجوء إلى الجنّ نفسه ، أو الحصول على " البركة" بمُختلف تمظهراته . 
بالرّغم من وجود مراكز للعلاج الطّبي العصري، إلاّ أنّ الناس لا يزالون مُتشبّثين بأساليب الطّب المُسمّى تقليدي ، وهذا الأخير تُستعملُ فيه طقوس سحريّة غريبة ووصفات غريبة "الكيّ" ، "دقّ المسامير" وأخرى تستميلُ النّاس باستثمار قداسة الدّين : كالماء المفرود واحجية وطلاسم’’ أو الخصائص العلاجية للأعشاب والمواد الطّبيعية المُجرّبة ، فأهمّ شيء يؤطّرُ تصوّر العيّنة المبحوثة هو أنّ أسباب المرض لاتزال تنسبُ إلى الجنّ مسؤوليّة كلّ ما يُصيبُ نفوس وأبدان البشر من أمراض واختلالات .
وقد أدلت مبحوثة على أنّ مرض الشّلل أصابها لمدة طويلة، بالرّغم من الفحوصات والأشعّة لم تأتي بالنّتيجة ممّا أرغمها في الأخير على زيارة "فقيه" معروف عليه بعلاج أمراض عُضويّة بتعزيمة والماء المقروء عليه، وقد داومت على زيارته بين الفينة والأخرى إلى أن شُفيت " دابا أيّ واحد تلقيت مريض كنصحو يمشي عندو راه ما كيعطي شي حاجة خايبة.. راه كيخدم بالماء والقرآن وصافي " .
ففي الثّقافة الشّعبيّة المغربيّة تُوجدُ أمراض مُحدّدة تُسمّى بأسماء الجنّ " كبوصفّير " الّذي يُصيبُ الإنسان باليرقان وكذلك " بوحمرون" اسم علم للجنيّ الّذي ينشُرُ الحصبة "بودحاس" نسبة إلى الدّاحس ، بثور تظهر بين اللّحم والظفر و " بوخناق " الّذي يُسبّبُ الخناق و" برتليس " الّذي يُصيبُ الانسان ليلا حتّى لا يُبصرُ شيئا و " بوزلّوم " ( عرق النّسا) . وأكدّ لنا أحد الفُقهاء السّحرة أنّ هذه الأمراض لا يستطيعُ أحدٌ علاجها إلاّ بطرد تلك الارواح من الجسد ، واعتبر أنّ وجع الأضراس والحمّى والإجهاض ( اللاإرادي ) للمرأة وغيرها ممّا يُبتلى به الإنسان الرّاشد وكذلك امراض الصّغار كال... والبُكاء المُسترسل كلّها من عمل الجنّ والأرواح الخبيثة .
وأدلّت مجموعة من النّساء على أنّ تلك الأمراض السّابقة الذّكر أن الطّبيب العضويّ لا يستطيعُ علاجها، لأنّها من عمل الكائنات السّفليّة . والغريب في الأمر كذلك أنّ امرأة قالت أنّ زيارة الطّبيب تؤجّجُ غضب الجنّي المُتسبّب في المرض ويُصبحُ الأمر أكثر صعوبة في العلاج .
بالإضافة إلى أنّ الانسان المريض عندما يعجزُ الطّب الحديث عن علاجه يلتجئ دون تفكير إلى السّحرة والأولياء أملا في وجود شفاء ولو كان في مكان ما في المغرب . فأفضلُ أماكن للعلاج هي تلك الّتي يُزعم على أنّها إقامة للجنّ مادام هو المسؤول عن المرض لذلك تعتبرُ المغارات أماكن مُفضّلة ومعروفة للعلاج من مسافات بعيدة . وتتمُّ الإقامة فيها كلّ أنواع الصّعوبات النّفسيّة والبدنيّة (...)حيثٌ ترتبطُ أهمّ الإصابات الّتي تُعالج فيها بالنّفس مثل الصّرع ، انفصام الشّخصية والجنون . بصفة عامة أي الأمراض الّتي يُقال عن المُصابين بها أنّهم مسكونون .
فلن تزور فقيها إلاّ وينصحُك ويُلحُّ عليك بزيارة تلك المغارات للشّفاء السّريع . فقد سبق لي وأن تقمّصتُ دور المريضة بالصّرع وقد أكّد لي أن شفائي سيكون في مغارة مولاي بوسلهام في الغرب والشّرب من مائها ، وكذلك أن أحضر في الزيارة المُوالية مبلغ 500 درهم وتبخيرة الخانزة وطاجين غير مثقوب ومن باب الامانة العلمية ، اشتريت تلك البُخور وأشعلتها فإذا برائحة كريهة جدّا تنبعث منها ، والغريب في الامر كلّه كان في نهاية إحراق تلك الأعشاب تشكيل شكل غريب ، وحاولتُ الاستفسار من أحد الرّقاة الشّرعيّين عن هذا الأمر وأخبرني أنّ السّبب هو عند إحراقه يُعطينا شكل مُعيّن لا علاقة لهُ بالسّحر .
فالسّاحرُ إذن يُحاولُ التّأثير بطريقة ذكيّة على الزّبون ، فأنا إن كنت حقّا مريضة ورأيت ذلك الشّكل ولم أكن على دراية بتلاعب بعض الفقهاء بعقول النّاس لصدّقته بدون شك ٍّ.
يكفي أن نقول كذلك أنّ هناك عينٌ معروف بخصائصه العلاجيّة ، في مُجتمع سهل التّصديق كمُجتمعنا كي تشدّ إليها الوفود من كلّ حدب وصوب لتنهل من مائها الشّافي. سبق أن حكت لي صديقة أنّ في حيّهم الشّعبي عينٌ اكتشفت مؤخّرا ، وكانت هناك امرأة تُعاني من حموضة المعدة فلمّا شربت منه شُفيت لتنتشر في المدينة كلّها حتّى أصبح لذلك العين حارسها الخاص يقبض مُقابل كلّ قنّينة 3 دراهم .
فالمغاربة يتمسّكون بأيّ شيء سمعوا عنه ولو كانت مُجرّد أقاويل وإشاعات شفهيّة لا محلّ لها من الصّدق ، ولكن لا يُمكن أن نقول أنّ الصّحة إذا ذهبت فإنّ أيّ كان يُمكن أن يلجأ إلى ذلك الطّريق بالرّغم من عدم وضوح ملامحه إلى أن يعطي بعض الاطمئنان بالشّفاء. ف ( م.ش) قالت عبارة صراحة تركت أثرا في الحاضرين " لفقد الصّحّة ديالو وخا يقولولو كل الحيّة مطيّبة ياكلا" .
كباحثين مُبتدئين يجبُ أن لا نُطلق أحكاما قيمية مُسبقة على مُريدي السّحرة على أنّهم يتوهّمون ، لأنّ كلّ واحد له ظروفه الخاصّة ارغمته على ذلك ولا يجبُ أيضا التّنويه لما يقومون به ، فعجز الطبّ العضوي والنّفسي عن شفاء بعض الأمراض تكون في بعض الأحيان سهلة العلاج ، سبب رئيسي للبحث عن العلاج عند السّحرة والمُشعوذين .
الفــقـــــــر :
" قبّح الله الفقر " عبارة تتردّد بين ألسنة النّاس؛ فهو سبب في مجموع من الجرائم ، وكذلك التّمرّد على أخلاق وضوابط المُجتمع . وعبارة شعبيّة كذلك تقول ( لي معندو فلوس كلامو مسّوس).نظرا لعدم اشتراط بعض الفقهاء لخدماتهم جعل الّذين لا يملكون المال الإقبال على السّحرة . في حيّ شعبيّ صرخات الأطفال وتجمّعات النّساء على الأبواب تُوحي بالحيوية والنّشاط . وبعد لحظة اتجهت صوبي امرأة وسألتني عمّا إذا كنتُ أحتاجُ للمساعدة لأنّها عرفت انّي غريبة ولا أسكنُ في هذا الحيّ ، فأخبرتها أنّني أسألُ عن فقيه سي ( م) وأرشدتني له بكلّ سرور . فالإشادة به من طرف سُكّان الحيّ جعله مشهورا وذا سمعة طيّبة نظرا لعدم تكليف زبنائه بشيء يتطلّبُ النّقود فيسمّونه بطيّب الفقراء، فأغليّة مُريديه من الطّبقة الكادحة لا يتوفرون على المال للذّهاب إلى طبيب مُختصّ ، فيلجئون له لأنّه لا حلّ امامهم . واتّفقت أغلبيّة المبحوثين على انّ ظروفهم الاقتصادية صعبة جدّا كما قالت إحداهُنّ " المُجتمع حڭار ما يعونكشي إلى وقفتي عليه حيت أنا غير امرة درويشة مرضت بزاف وطبيب كلّفني بزّاف حتّى بعت ذهب لي كنت كنكسب دابا صافي وقّفت العلاج حيت سلاولي الفلوس " 
الصّراع مع المرض والحياة المعيشيّة الصّعبة جعلت الكادحة تشعر بالنّبذ والعُزلة والوحدة والاعتقاد بأنّ النّاس كلّهم أشرار نظرا لافتقادهم للمادّة الّتي هي أساس العيش لحياة كريمة .
فالتّمسّك بالخُرافات والمُعتقدات السّحريّة تُعطي لهم على حدّ قولهم أملا في الحياة والشّفاء ، فأصبح الفقيه كطبيب نفساني يستشيرونه في كلّ مناحي الحياة من زواج أو الإقدام على عمل وكذلك اعتباره كصديق يُقدّم النّصح في بعض الأوقات.
رشيدة التغدويني- طنجة  

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دلالات الأشكال الرمزية في البساط الأمازيغي: حضور وغياب

بقلم : محمد قروق كركيش         الرموز الأمازيغية هي مجموعة من العلامات المعروفة بتصاميمها المتميزة وتتمتع بلغة فريدة وتجسد قوة مبدعيها واستقلالية خيالهم الواسع في مجال الإبداع، أما أشكالها الهندسية فهي جذابة وتوحي بدلالات ورسالات كانت سائدة قبل أن يظهر القلم والورق، فالزربية الأمازيغية تتطلب معرفة عميقة وحسابات رياضية تستحوذ على البال وهي تعد وتعد حتى تنقل عن طريق التكرار والنقل لتفادي الأخطاء مع تجنب أي إضافات تمس الهوية، فالزربية قبل أن تكون إبداعا فهي مرآة تعكس الكثير من ملامح الثقافة الفردية والجماعية.

الثقافة والتنمية المستدامة / نحو مدخل ثقافي لسؤال التنمية بالواحات المغربية

عرفت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية اهتماما متزايدا بالشؤون الثقافية، ليس فقط كوسيلة لترسيخ قيم الأجيال السابقة، والتعريف بهوية المجتمع وخصوصيته أمام الثقافات الأخرى؛ بل أصبح يرتبط أيضا بميادين وقضايا متعددة لعل من أهمها تأثيره في تنمية المجتمع ومسار تقدمه. وهذا ما برز بوضوح منذ بداية تسعينيات القرن العشرين حيث تم "تعزيز مساهمة الثقافة في التنمية المستدامة كهدف تم إطلاقه في إطار العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1998)" [1] . جاء هذا بالموازاة مع انشغال مجموعة من الباحثين بمدى تأثير العوامل الثقافية في سلوك الإنسان وأنماط تفكيره بشكل عام، وفي سيرورة التنمية ودينامية المجتمعات بشكل خاص.

قيمة الرموز في الثقافة اليهودية

يعتبر الرمز مفهوما فضفاضا واسع الاستعمالات والمضامين، ويستخدم للدلالة على معاني متعددة وفقا للسياق العام الذي تبلور فيه ضمن الخطاب، سواء أكان هذا الخطاب ميثولوجيا أسطوريا أو تيولوجيا دينيا أو أدبيا..وقد يتبلور الرمز معبرا عن نفسه في أشكال الطقوس والممارسات الاجتماعية،   أو من خلال مجموعة من الأشكال الهندسية أو الأمكنة والفضاءات التعبدية، مضفيا على ثقافة المجتمع بعدا ماديا مجسدا، وراسما له هوية تميزه وتشخصه. وكل رمز سواء أكان "ماديا" أو "غير مادي"، إنما يعبر عن مضمون ما، ويربط الانسان بدلالة محددة؛ فالأسد رمز يحمل دلالات: الشجاعة، الزعامة، البأس،.. الجبروت، حسب السياق  contexte   الذي اندرج فيه، والثقافة  culture  بوصفها خاصية انسانية، تخلق لنفسها الرموز وتضفي عليها حمولة من الدلالات، وتختلف دلالات الرموز باختلاف الثقافات التي تحتضنها كما أن نفس الرمز قد يحمل أكثر من دلالة بناء على السياق العام الذي يندرج فيه؛ "فالتراب" أو الأرض رمز للوحدة الوطنية، كما أنه قد يحمل معنى قدحيا حينما يستخدم في سياق آخر" تمريغ الإنسان وجهه في التراب". ...