بقلم:
محمد قروق كركيش
باحث في علم الإجتماع
إن المتتبع
للحقل الثقافي المغربي بمختلف تلويناته وحيثياته ، يلاحظ بادئ ذي بدء، بأن
المثقفين والمفكرين المغاربة ينقسمون إلى قسمين كبيرين؛ يمثل القسم الأول ذلك
المثقف المغربي الملتزم بحدود اللغة، من حيث هي لغة هوياتية صارمة ناتجة عن
ملامسة الواقع المغربي من حيث هو بناء دلالي يستمد قوته من اللغة العربية الفصحى ، و قسم ثان يكاد ينسلخ عن الهوية الدلالية للغة العربية في مختلف كتاباته؛ فيسير في اتجاه مضاد للغة الأم وبالتالي ينسلخ جزئيا عن الهوية الوطنية
فيصير مريضا بمرض ازدواجية الشخصية .
ولكن ،
يبدو أن هذه السكيزوفرينيا نابعة من أصل استعماري عايشه المغرب لسنوات عدة ، و
نستهدف هنا الفرنسية على وجه الخصوص ، على اعتبار أن هذه اللغة تركت زخما خاصا في
أواسط المفكرين و المثقفين المغاربة لا من حيث المنهج من جهة ، و لا من حيث
القاموس اللغوي من جهة ثانية ، لذلك فإن النقاش الذي جرى ، و لا زال يجري إلى حد
الآن ، حول تناول المسألة الفرانكفونية في المغرب من خلال بعدها الثقافي و اللغوي
، أي على تصور الفرانكفونية كهيمنة لغوية و ثقافية للغة و الثقافة الفرنسيين ، لا
زال لم يحسم بعد ، على اعتبار أن البعد السياسي الفرانكفوني يفرض قوته من
خلال التبعية السياسية للثقافة المغربية ، لكن الأهم في هذا الجدل العقيم – حول المسألة الفرانكفونية – ينبع
من تلك الازدواجية نفسها ، وهذا التصور ليس تصورا خاطئا للمسألة الفرانكفونية ،
لكنه تصور متعدد الجانب لأنه يركز بالأساس على الأداة الفعلية
للكتابة الفرنسية من جانب ، و الممثلة في المثقف المغربي المفرنس أو الذي يكتب
باللغة الفرنسية في بلد ينطق العربية ، وبين ذاك المتفرنس نفسه و الذي يكتب مجمل
أعماله الإبداعية بالفرنسية و تجده يدافع عن اللغة العربية و يهاجم الفرانكفونية ؛
من هنا نستنتج بان المثقفين المغاربة الذين يكتبون باللغة الفرنسية ، يتأثرون بهذه
اللغة ، على اعتبار أنها لغة سيطرة و سلطة ؛ إن لم تعد فعلية ، فهي على الأقل
رمزية ، تؤدي إلى ما يسمى بالارتقاء الإجتماعي .
لذلك فإن
الحكم التحقيري الذي أعطي للغة العربية ، باعتبارها لغة كلاسيكية بالمعنى السلبي
للكلمة ، و على أنها لغة متأخرة و عاجزة عن مواكبة التقدم العلمي من طرف الإدارة الاستعمارية
من قبل ، إنما يؤكده هؤلاء المثقفون بشكل غير واع ؛ مما يعني بأنه رغم السنوات
التي مرت على الاستقلال ، لازلنا نعثر على نتيجة مفادها ؛ أن الإدارة الاستعمارية
وهي تنشئ الإدارة العصرية ، و القطاع الاقتصادي العصري ، و التعليم العصري ، أن
ترسخ مؤسسيا و علميا و ذهنيا ، فكرة مفادها ، أن كل ما هو إيجابي متقدم و منفتح في
العالم الحديث فهو مرتبط باللغة الفرنسية ، في حين أن اللغة العربية ليست لغة
قادرة على المواكبة ، و بالتالي فهي لغة التخلف و الانغلاق و أنها لغة
إثنولوجية عف عنها الزمن كما أكد الفيلسوف المغربي " محمد سبيلا " .
لكن السؤال
الأهم من كل ما قيل هو ، لماذا لا يسائل المثقف و المفكر المغربي نفسه عندما يكتب
أجمل حصيلة عن موضوع معين في المغرب باللغة الفرنسية ؟ ؛ ولمن يكتب حينها ؟ هل
يكتب لأبناء بلده ؟ أم لبلد أخر ؟ وما غايته من ذلك ؟ و عندما نحصي هذه الأعمال ؛
في أي اتجاه سوف نضيفها ؟ هل نعتبرها أعمال مغربية؛ أم أعمال أجنبية ؟ تم ما
فائدتها إذا علمنا أن الوسط المغربي من حيث المستوى التعليمي لا زال يعرف أرقاما
مهولة في نسب الأمية ؟ .
ربما نعثر
على جزء من الإجابة في المقررات و الكتب المدرسية الحالية ؛ وخصوصا في
مادتي اللغة العربية و الفرنسية ، فنجد أن التعليم المغربي العصري
يرسخ و يكرس هذه الصورة عن اللغة العربية كلغة تقليدية و نمطية ؛ و أن اللغة
الفرنسية هي لغة العلم و التكنولوجيا ، لذلك نجد أن هذه الأخيرة هي المسيطرة في
الوسط الأكاديمي المغربي لا في المباريات الوظيفية و لا في الوسط التعليمي الذي لا
زال في اعتقادي يعاني من التشتت و الانكماش الذاتي .
و إذا كانت
الإجابة الأخرى تعتبر { بأن اللغة الفرنسية و إن كانت تعبر عن فكر
أصحابها ، إلا أنها تبقى وسيلة للمقاومة ، و أن التكلم بالفرنسية لا يجعل
منا فرنسيين و لا يؤثر على مغربيتنا } ، فإننا نقول : انه من غير المعقول أن نعتبر أنفسنا في
وضعية ضعف لغوي ، لأن مثل هذه الأقوال تجعلنا نعيش تلك الازدواجية بشكل صريح ينم
عن الخلل الكامن في المنظومة الذهنية للفرد المغربي ، وليس للفرد فقط ؛ بل
حتى للنخب و الكوادر الجديدة ، مما يعني بأن الحضارة العربية مهددة بالزوال في
حالة إذا حافظت على لغة متأخرة مثل العربية ، إذ لابد من لغة أجنبية هي الأجدى
للتقدم ، وبالتالي علينا أن نبيع هويتنا لنشتري هوية أخرى قادرة على المواجهة
و التصدي ، ولكن يبدو أن أصحاب هذا الرأي يتناسون بأن التقدم الفعلي ينبغي أن
يراعي الخصوصية ؛ و أن التنمية الثقافية لابد لها أن تضع في مخططاتها
العامل اللغوي باعتباره مهد الحضارة و المدافع الأول و الأخير عنها .
ليتبين لنا
في الأخير بأن المد الفرانكفوني قد أصبح أكثر من أي وقت مضى تابتا في البناء
الإجتماعي المغربي المتنوع ، وبأن اللغة العربية مهددة فعلا بالانكماش ، ليس لأنها
لغة غير صالحة لهذا الزمن أو أنها لغة قديمة ، بل مهددة لأن المثقفين المغاربة قد انسلخوا
من مدلولاتها الهوياتية إلى حد الهجر ، و اللغة العربية من حيث البناء فهي من أكثر
اللغات فصاحة و دلالة ، سواء في تركيبها البَناءْ ، أو في نطقها اللساني ، لذلك
فإن توزيع الأدوار اللغوية بين العربية و الفرنسية سَار في الفضاء الإجتماعي برمته
، و القضاء عليه لا يفترض رؤية أحادية الجانب ، بقدر ما يفرض تعددا في التحليل و
النقد المتعدد الجوانب الذي يستهدف تفكيك الخلل و تمحيص التراكم .
تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تسرنا