التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الثراث الثقافي والتاريخي والتنمية السياحية بالمغرب (حالة: مدينة فاس العتيقة)

الثراث الثقافي والتاريخي والتنمية السياحية بالمغرب (حالة: مدينة فاس العتيقة)
خلاصــــات بحث ميداني

بقلم "رشيد لبيض": باحث في علم الاجتماع والثقافة الشعبية


    إن بلدنا المغرب بالإضافة إلى معطياته الطبيعية الجذابة وموقعه الجغرافي المتميز يتوفر على معالم أثرية لأهم الحضارات الوافدة من الشرق الأوسط ودول جنوب شرق أوربا وشمالها، كما يحتضن تراثا فنيا غنيّا وفنونا متعددة لحرف الصناعة التقليدية، هذه الشواهد الحضارية تزيد من ثراء مؤهلاته السياحية وتراثه التضامني الفنّي وتثير اهتمام السيّاح والباحثين. ولعل موقع فاس يشير إلى معطى سياحي ثقافي بارز، باعتبار مدينة "فاس" العاصمة التاريخية الروحية والثقافية للمغرب، فهي قبلة لا محيد عنها لعاشقي المدن التاريخية والفن المعماري. واعترافا منها بهذا الإرث الحضاري والثقافي بادرت المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم "اليونسكو" بتسجيل المجال التاريخي ل"فاس" ضمن لائحة التراث العالمي والإنساني سنة 1981.
                                   
  ولعلّ الحديث عن المؤهلات السياحية الثقافية للمدينة يحتم علينا استعراض ثلاث أنواع من التراث: التراث الثقافي كمنتوج غير مادي، التراث الثقافي كمنتوج مادي، ثم التراث التاريخي العمراني، وضمن تفصيلنا في النوع الأول الخاص بالتراث كمنتوج غير مادي، لابد وأن نشير إلى الدور الذي يلعبه هذا التراث في ترسيخ قيم السلم والتعايش والإنسجام الذي ظهر جليّا من خلال الآداب والموسيقى والمسرح وباقي مكونات الثقافة الشعبية المحلية من طبخ وفنون حكي وأهازيج، وما المهرجانات والمواسم التي تقام في مدينة فاس سوى دليل على حرص المدينة من خلال الفاعلين في هذا القطاع، على توظيف الموروث الثقافي غير المادي، في إنعاش هذا القطاع، وفيما يلي جرد لأهم المهرجانات والمواسم التي تشتهر بها مدينة فاس على المستويين الوطني والدولي:
  "مهرجان موسيقى الملحون"، "مهرجان فنون الطبخ"، "مهرجان السماع والمديح"، "مهرجان فاس للموسيقى الروحية"، "مهرجان فاس للثقافة الصوفية"، "مهرجان الثقافة الأمازيغية"، "المهرجان الدولي للمسرح الاحترافي"، أما فيما يخص المواسم فنذكر: "موسم مولاي إدريس الأزهر"، "موسم سيدي حرازم"، "موسم سيدي أحمد التجاني".                 
    كما اشتهرت مدينة "فاس" بنوع ثان من أنواع التراث الثقافي وهو تراث مادي يتمثل في  الصناعة التقليدية بفاس العتيقة، حيث سينشط الصناع التقليديون في إبداع تحف رائعة تبهر الزائرين من مختلف دول العالم، بل والسياح المحليين كذلك، حيث ستشمل الصناعة التقليدية مجموعة من القطاعات كقطاع "الجلد"، "الطين" و"الحجر"، "النسيج"، "الصناعات النباتية"، "المعادن"، "الخشب"، "الصناعات والإنتاجات الفنية المختلفة".      
  وتتوفر المدينة العتيقة لفاس على أسواق عديدة للمنتجات الصناعية التقليدية وأغلب هذه الأسواق تتموقع داخل مسلك واحد يبلغ طوله 1.5 كلم، وتكفي السائح ثلاث ساعات لزيارة هذا المسلك، واكتشاف أسواق التحف التقليدية التي تعدّ سببا رئيسيا في ازدهار المدينة العتيقة وشهرتها. ومن بين أهم هذه الأسواق نجد سوق "العشابين"، "سوق الحنة"، "الشماعين"، "العوّادين"،" سوق عين علو"، "العطّارين"، "السكاكين"، "النجارين"، "السقاطين"....                                                   
  وإذا كناّ قد تحدثنا سالفا عن التراث الثقافي بشقيه المادّي وغير المادي وأبرزنا بعض ملامحه، فإن لمدينة فاس تاريخ طويل وفريد، أكسبها تراثا عمرانيا ومعماريا ثريا ومتنوعا يتجلّى من خلال مجموعة من المعالم الطاعنة في الإبداع والتاريخ ك"جامع القرويين"، ّمدرسة العطارين"، "المدرسة المصباحية"، "مدرسة الصفارين"، "ساحة مولاي الحسن"، "باب المحروق"، "أسوار قصبة الشراردة"، "متحف الأسلحة"، "باب الشمس"، "البرج الطويل"، "البرج الجنوبي"، "باب الفتوح"، "المقبرة اليهودية"، "الملاّح"، "بيعة ابن دنان"، "باب السمارين"، "جامع الحمراء"، "ضريح أبو بكر بن العربي"، "جامع الأنوار"، "جامع الأندلس"، "مدرسة السباعين"، "جامع الوادي"، "زنقة الصفّاح"، "جامع سيدي أحمد التجاني"، "قصر الجامعي"، "قصر المقرّي"، "قصر المنبهي"، "دار الباشا التازي"، "دار عديل"، "حديقة جنان السبيل"، "متحف البطحاء"، "ساحة بوجلود"، "المدرسة العنانية"، "الطالعة الصغيرة"،" ضريح مولاي إدريس"، "قنطرة الطرافين"، "ساحة الرصيف".                                                    
   لقد استطاعت مدينة فاس أن تحتلّ مكانة محترمة بين المدن العالمية، من حيث البنيات الثقافية التاريخية حيث تعتبر من أهم العواصم الثقافية على صعيد بلدان العالم العربي والإسلامي والكوني. إلا أن الوضعية التي توجد عليها بعض المؤسسات الثقافية والمعمارية ( المساجد، المدارس العتيقة، الفنادق القديمة، الأضرحة، المتاحف، الأبراج، الأبواب، الأسوار...إلخ ) تدعو في الحقيقة إلى الأسى والحسرة، حيث أنها لا تحضى بالعناية اللازمة، فالواقع الذي توجد عليه البنيات الثقافية والتاريخية بفاس يبين أنها تعيش حالة خطيرة من التدهور والديناميات السلبية، والتي يمكن أن تشكل في المستقبل تهديدي خطيرا لتراثنا الثقافي، ومن تم لحجم الإقبال السياحي على المدينة، حيث أن العديد من المكونات الثقافية يطالها الإهمال إضافة إلى ضعف عمليات التدخّل السريع والإستعجالي لإنقاذها، كما أن اتساع حجم المدينة وتعدد الأطراف المتدخّلة يأتي بنتائج عكسية، إضافة إلى مساهمة ممارسات السكّان أنفسهم في تعزيز آليات التدهور والتراجع، حيث أن مجموعة من العائلات الفاسية العريقة قد غادرت الدور التي كانت تقطنها وتركتها عرضة للتدهور والتراجع والتدمير البطيء، كما أن الساكنة التي تقطن حاليا هذه الدّور تفتقر ليس فقط إلى الإمكانيات المادية للقيام بعمليات الترميم والإصلاح، بل إلى الأسلوب المعيشي والتوظيف السليم لمرافق البيت وتقاليد الإعتناء الخاص بالفئات الميسورة. كما تغيرت أيضا طبيعة المسلكيّات والممارسات في الفضاءات الخارجية، سواء في العلاقة مع المرافق العمومية للمدينة والمساهمة في المحافظة عليها، أو توفير شروط النظافة والسلامة الصحية في المسالك العمومية.                                                                 
   ومن باب الإنصاف نشير أن بعض المؤسسات قد استطاعت بتنسيق مع مجموعة من الفاعلين في مجال التهيئة والإنقاذ، القيام بمجهودات كبيرة في عمليات الترميم وإعادة التأهيل بالنسبة لمجموعة من المنشآت والبنيات، كما تم وضع مخطط لإعادة الاعتبار ساهم في صياغتها عدد من المؤسسات، كالدولة والمجموعة الحضرية لفاس والبنك العالمي،  وتكمن فلسفة هذا المخطط في فك العزلة عن المدينة وجعلها محور للحركية الاقتصادية، ومحاربة تدهور الإطار المبني، ودعم الآليات المؤسساتية وتشجيع الاستثمار في  تطوير العرض السياحي-الثقافي. 
                          
    إلا أنه ورغم أهمية هذه التجارب وما تحمله من إيجابيات فإنها تبقى قاصرة عن تبني إستراتجية مسؤولة، والتي تتطلب إرادة سياسية  قوية واعتمادات مالية  كافية وقــــارة، وتظافر جهود أطراف مركزية وجهوية، وكذا انخراط جميع الفاعلين الذي لهم صلة بعملية الإنقاذ. هذا و تتخبط الصناعة التقليدية في مجموعة من المشاكل، منها المشاكل المرتبطة أساسا بالإنتاج، كظروف الإنتاج بالنسبة للصناع الفرادى الغير ملائمة، كما أن المنتوج في حد ذاته لا يأخذ بعين الإعتبار حاجيات وتطلعات الزبناء، خاصة  من حيث الجودة و التشكيلات والنماذج  المعروضة. و لا ننسى  النسيج  المقاولاتي  الذي لا يتمكن من توفيرعرض كاف للاستجابة للطلب، إضافة إلى البنيات المحلية  لتسويق  المنتوجات والتي تظل غير كافية كما وكيفا. كل هذه المشاكل و غيرها في الوقت الذي تتوفر فيه المدينة على تراث ثقافي ومهارات معترف بها، وهذا ما تعكسه شهرة منتوجات الصناعة التقليدية ل"فاس".

   وفي الختام وبعد هذه الجولة السوسيولوجية في مدينة فاس، يبقى أن نسجل كتوصية  أن صاحب هذا التراث الثقافي والتاريخي هو حارس عليه، فواجب عليه حمايته والمحافظة عليه قبل الآخرين والدفاع عنه لو لزم الأمر. وأخذ كل الاحتياطات اللازمة في ذلك، وترميمه وتطويره المتجانس، وتأهيله بشكل متناغم مع الحياة المعاصرة، وذلك أن كل هذه المكونات التراثية بفاس، لا تمثل إلا ذاكرة جماعية تعبر عن هوية الأجيال السابقة والحالية وذلك في زمن انهيار الثقافات والقيم، وسيادة الثقافة الواحدة المعولمة.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دلالات الأشكال الرمزية في البساط الأمازيغي: حضور وغياب

بقلم : محمد قروق كركيش         الرموز الأمازيغية هي مجموعة من العلامات المعروفة بتصاميمها المتميزة وتتمتع بلغة فريدة وتجسد قوة مبدعيها واستقلالية خيالهم الواسع في مجال الإبداع، أما أشكالها الهندسية فهي جذابة وتوحي بدلالات ورسالات كانت سائدة قبل أن يظهر القلم والورق، فالزربية الأمازيغية تتطلب معرفة عميقة وحسابات رياضية تستحوذ على البال وهي تعد وتعد حتى تنقل عن طريق التكرار والنقل لتفادي الأخطاء مع تجنب أي إضافات تمس الهوية، فالزربية قبل أن تكون إبداعا فهي مرآة تعكس الكثير من ملامح الثقافة الفردية والجماعية.

الثقافة والتنمية المستدامة / نحو مدخل ثقافي لسؤال التنمية بالواحات المغربية

عرفت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية اهتماما متزايدا بالشؤون الثقافية، ليس فقط كوسيلة لترسيخ قيم الأجيال السابقة، والتعريف بهوية المجتمع وخصوصيته أمام الثقافات الأخرى؛ بل أصبح يرتبط أيضا بميادين وقضايا متعددة لعل من أهمها تأثيره في تنمية المجتمع ومسار تقدمه. وهذا ما برز بوضوح منذ بداية تسعينيات القرن العشرين حيث تم "تعزيز مساهمة الثقافة في التنمية المستدامة كهدف تم إطلاقه في إطار العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1998)" [1] . جاء هذا بالموازاة مع انشغال مجموعة من الباحثين بمدى تأثير العوامل الثقافية في سلوك الإنسان وأنماط تفكيره بشكل عام، وفي سيرورة التنمية ودينامية المجتمعات بشكل خاص.

قيمة الرموز في الثقافة اليهودية

يعتبر الرمز مفهوما فضفاضا واسع الاستعمالات والمضامين، ويستخدم للدلالة على معاني متعددة وفقا للسياق العام الذي تبلور فيه ضمن الخطاب، سواء أكان هذا الخطاب ميثولوجيا أسطوريا أو تيولوجيا دينيا أو أدبيا..وقد يتبلور الرمز معبرا عن نفسه في أشكال الطقوس والممارسات الاجتماعية،   أو من خلال مجموعة من الأشكال الهندسية أو الأمكنة والفضاءات التعبدية، مضفيا على ثقافة المجتمع بعدا ماديا مجسدا، وراسما له هوية تميزه وتشخصه. وكل رمز سواء أكان "ماديا" أو "غير مادي"، إنما يعبر عن مضمون ما، ويربط الانسان بدلالة محددة؛ فالأسد رمز يحمل دلالات: الشجاعة، الزعامة، البأس،.. الجبروت، حسب السياق  contexte   الذي اندرج فيه، والثقافة  culture  بوصفها خاصية انسانية، تخلق لنفسها الرموز وتضفي عليها حمولة من الدلالات، وتختلف دلالات الرموز باختلاف الثقافات التي تحتضنها كما أن نفس الرمز قد يحمل أكثر من دلالة بناء على السياق العام الذي يندرج فيه؛ "فالتراب" أو الأرض رمز للوحدة الوطنية، كما أنه قد يحمل معنى قدحيا حينما يستخدم في سياق آخر" تمريغ الإنسان وجهه في التراب". ...