التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحركات الاجتماعية بين البعد التكويني وطموح الأهداف

محمد قروق كركيش

إن أسلوب الاحتجاج باعتباره رهان الشباب في العالم المعاصر ، يعد من الطرق السريعة لتحقيق و بوثقة الفعل النضالي و سموه على أرض الواقع ، ذلك أن هذا الأسلوب المميز أجج إلى ظهور حركات اجتماعية غيرت العالم وأعطته نمط أخر ، هذا النمط استجاب له الشعب باعتباره ركيزة أساسية في البنية الإجتماعية ، و باعتباره أيضا سبيل الحرية و الخلاص من العبودية سواء السياسية أو الإجتماعية و كذا الاقتصادية في سبيل تحقيق طموحات أفضل ، فكان لابد لنا كباحثين في الشأن الإجتماعي أن ننظر إلى هذه الحركات باعتبارها منعطف تاريخي في العالم المعاصر . و كمحاولة بسيطة للتنظير نصرح منذ البداية على أهمية هذه الظاهرة و دورها و أهدافها و أساسيات تكونها من زاويتنا السوسيولوجية .

أولا و قبل كل شيئ ينبغي أن نحدد استعمالات مفهوم الحركات الإجتماعية ، فعبارة " الحركات الإجتماعية " تستعمل في معاني مختلفة ، فهي تستعمل من جهة في المعنى الوصفي و التي يراد به تلك العمليات الأكثر تنوعا مثل الحركات النسائية ، و في المعنى الأخر يمكن أن نعتبرها عملية نتاج كلية تقوم من خلالها القوى الإجتماعية انطلاقا من تركيب الأفعال و الأحاسيس و الإستراتيجيات الجماعية ، لكن إذا كان بإمكاننا في هذه المقالة إبراز الجوانب الدلالية للحركات الإجتماعية في معاني مختلفة ، فكيف يمكن لنا في إطار هذه المقاربة تحديد هدف هذه الحركات ؟
يبدو من الوهلة الأولى أن الهدف الأول المتفق عليه من جانب النخبة المثقفة و المفكرين و الباحثين هو أنها تتشكل حول مصالح جماعية للدفاع عنها و السعي من أجل تحقيقها و تفعيلها في المجال المراد الدفاع عنه و ذلك في إطار ما نسميه " بالمصلحة الجماعية " التي يُؤطرها الضمير الجمعي . إلا أننا في هذا الموقع يمكن أن نضيف شيئ أخر بمثابة دافع لتكوين الحركات الإجتماعية و سموها في إطار الجماعة ، إنها 'المنفعة' في حد ذاتها و التي تعتبر من المكونات الأساسية ، إذ أن هذا المفهوم ، مفهوم " المنفعة " يأخذ معنى غير دقيق ، فتارة تكون المنفعة عبارة عن تكتل جمعي بين الأفراد و تارة أخرى يكون لها بعد فردي خارج عن الجماعة " و إضافة إلى المصالح تكون المنافع طموحا يراد به تكوين هذه الحركات و بالتالي هدف مرجوا لتقدم الحركة و إعطائها تلك الروح الجماعية .
لكن مفهوم المنفعة هنا بالضبط يأخذ بعدا وحدويا مما يعطي طموح وهدف كل شخص فرد في تخليه عن الجماعة و من هنا يصبح الطموح الفردي للمنفعة يؤدي إلى التكتل و صراع المنافع و المصالح . إذن هذان عنصران مهمان في تاريخ تكوين الحركات الإجتماعية و إبراز أهدافها ، ومن هذين المرتكزين تبرز لنا أهمية الحركات الإجتماعية في الدفاع عن مصالحها و إتقان دورها لأجل خدمة الأهداف التي قامت من أجلها . لكن دعونا الآن نتحدث عن عنصر مهم و هو كيف تبدأ الحركات الإجتماعية بعد مرحلة تكونها ؟ بالكاد يمكن أن نقول أن الحركات الإجتماعية تختلف باختلاف طبيعة كل حركة حركة ، لكن العنصر الذي يمكن أن يكون الطابع الغالب في المراحل التكوينية هو مرحلة "التعبئة أو التجميع" لكن هناك عدة من المفكرين يقسمون المرحلة إلى معنيين : أولهما يمكن أن يكون واضحا عند المفكر " كارل دوتش " وهو أن هذه المرحلة تصف لنا حالة اجتماعية متسمة بتزايد الحركية الجغرافية و المهنية ، وبالتالي التعبئة و الانتقال السريع للأفكار ؛ و المعنى الذي أراده "دوتش" هنا يشكل واحدا من مقدمات ظهور الحركات الإجتماعية ، إنها مرحلة يسميها عالم الإجتماع " بودون " بالبْرُونٍية وهي بديلة مرحلة التعبئة .
و يمكن لنا أخد مفهوم أخر أكتر جمالا و الذي استعمله " هرشمان " و التي يمكنني أن أقول عنه التعبير الموفق وهو الـــــــعنف " اللامركزي " إنه شكل من أشكال الإنفجارات الغير المتوقعة التي تطبع بصورة عامة بدائية الحركة ، إنه معنى يشير إلى هذه المرحلة ، و دعونا الآن نعطي مثالا على ما يحدث في العالم العربي من ثورات اتخذت في عمقها أشكالا من الحركات الاحتجاجية الإجتماعية التي تطالب بمطالب تم تسطيرها في إطار معارضة السلطة الفاسدة .
إن الحركات الشبابية هي بالكاد حركات اجتماعية بدأها الشباب بشكل غير متوقع في العالم العربي بدايتا من تونس تم مصر فليبيا و غيرها من الدول العربية الأخرى ، لنقل أن صراع المجتمع مع السلطة اتسم بنوع من الرفض و التعارض و الذي أفرز على مر هذا الزمن حركات اجتماعية شبابية باشرت عملها على المواقع الإجتماعية الإلكترونية في تسطير مطالب و أهداف وهمية سجلت على مستوى الجهاز و العالم الافتراضي ، و بالتالي نسجل هنا قيام هذه الحركات موازاتا مع ما قدمته التكنولوجيا المعاصرة في سبيل نهوضها ؛ إلا أن ما وقع هو تكتل الشباب في مجموعة من المواقع الإجتماعية " الفيس بوك " على سبيل التوضيح - و ذلك دائما في إطار المرحلة الأولى و هي التعبئة الجماعية - و التي أعطت الكثير على مستوى العالم الواقعي الملموس و من هنا نقطة التحول التي أفاضت الكأس .
هذا القول يجعلنا نقول مع " سملسر " ضرورة التمييز بين الحركات التي تهدف إلى تغيير القواعد و تلك التي تهدف إلى تغيير القيم ، إلا أننا في الحقل السوسيولوجي لا ينبغي أن نأخذ هذا التمييز بحرفيته . فالمثال الذي قدمناه عن العالم العربي يهدف إلى تغيير القواعد و ذلك دائما في إطار ما تحمله حركة الشباب من قيم جديد غيرت القيم القديمة ، و هنا يمكن للحركات أو بعضها أن تأخذ هذين التمييزَيْن في تمازج ، مما يعني أن الحركة الإجتماعية قد تهدف بالخصوص إلى تغيير القواعد و القوانين المعروفة في أي بلد من البلدان ، ومن خلال تغيير تلك القواعد تحاول تغيير القيم التي تعد مرتكزا تابتا .
و لكي نوضح أكتر ، ففي بلاد المغرب الإسلامي تظهر حركات تحت يافطة تغيير القيم و يمكن أن نأخذ أجمل مثال لذلك " جماعة العدل و الإحسان " باعتبارها حركة بالمعنى الدقيق للكلمة عكس ما تأخذه في المجال السياسي ، فهذه الحركة تعتبر من المعارضين للنظام في الحكومة رغم أنها فئة غير حزبية ، و معارضة المخططات الحكومية معناه محاولة تغيير القوانين و المواثيق أو لنقل القواعد ، لأن هذه ' الجماعة ' ترى أن هناك قوانين و قواعد وضعية لا تحقق الخصوصية رغم أنها كونية وبالتالي تضرب في تغيير القواعد ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن هدفها إقامة حكم الله في الأرض ، مما يعني أنها تحاول أن تغير مجموعة من القيم التي تعتبر أنها ابتعدت عن المرجعية الإسلامية ، و وهنا تعتبر من الحركات التي تهدف إلى تغيير القيم ، دعونا الآن من هذا المثال و لنتحدث بشكل عام .
إن كل حركة اجتماعية تكون ناجحة إذا ما تعبأت بشكل جيد ، و قدرة الحركة تكون ملفتة و خطيرة إذا ما قدمت على مــــــــــــبدأ " التعميم " لانتشار أفكارها في مجال أوسع ، ولعل هذا ما حدت مع " حركة 20 فبراير " حتى أصبحت الآن في وضعية نزيف حاد اختلطت فيها الأشكال بشكل غريب ، وهذا النزيف لم يمس البنية الشكلية بقدر ما دمر صلب الحركة ، رغم أن الباحثين لم يتحدثوا عن أسباب هذا الضعف إلا أننا نعتقد بأن كثرة الإيديولوجيات التي كانت تخرج في إطار الحركة لم تساعد على تعميمها بقدر ما هدمت مبدأ الديمقراطية داخلها و لسنا هنا لمناقشة الحركة بقدر ما أننا نتحدث على الهامش فقط ، كما ينبغي أن نشير أن الحركات الإجتماعية تتجاوز الإطار العام الذي نشأت فيه ، و ينبغي الأخذ بالحسبان أيضا قدرة الحركة على إدخال قطاعات أو جماهير أكتر فأكتر اتساعا .

 * باحث في علم الإجتماع  و الثقافة الشعبية المغربية .




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دلالات الأشكال الرمزية في البساط الأمازيغي: حضور وغياب

بقلم : محمد قروق كركيش         الرموز الأمازيغية هي مجموعة من العلامات المعروفة بتصاميمها المتميزة وتتمتع بلغة فريدة وتجسد قوة مبدعيها واستقلالية خيالهم الواسع في مجال الإبداع، أما أشكالها الهندسية فهي جذابة وتوحي بدلالات ورسالات كانت سائدة قبل أن يظهر القلم والورق، فالزربية الأمازيغية تتطلب معرفة عميقة وحسابات رياضية تستحوذ على البال وهي تعد وتعد حتى تنقل عن طريق التكرار والنقل لتفادي الأخطاء مع تجنب أي إضافات تمس الهوية، فالزربية قبل أن تكون إبداعا فهي مرآة تعكس الكثير من ملامح الثقافة الفردية والجماعية.

الثقافة والتنمية المستدامة / نحو مدخل ثقافي لسؤال التنمية بالواحات المغربية

عرفت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية اهتماما متزايدا بالشؤون الثقافية، ليس فقط كوسيلة لترسيخ قيم الأجيال السابقة، والتعريف بهوية المجتمع وخصوصيته أمام الثقافات الأخرى؛ بل أصبح يرتبط أيضا بميادين وقضايا متعددة لعل من أهمها تأثيره في تنمية المجتمع ومسار تقدمه. وهذا ما برز بوضوح منذ بداية تسعينيات القرن العشرين حيث تم "تعزيز مساهمة الثقافة في التنمية المستدامة كهدف تم إطلاقه في إطار العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1998)" [1] . جاء هذا بالموازاة مع انشغال مجموعة من الباحثين بمدى تأثير العوامل الثقافية في سلوك الإنسان وأنماط تفكيره بشكل عام، وفي سيرورة التنمية ودينامية المجتمعات بشكل خاص.

قيمة الرموز في الثقافة اليهودية

يعتبر الرمز مفهوما فضفاضا واسع الاستعمالات والمضامين، ويستخدم للدلالة على معاني متعددة وفقا للسياق العام الذي تبلور فيه ضمن الخطاب، سواء أكان هذا الخطاب ميثولوجيا أسطوريا أو تيولوجيا دينيا أو أدبيا..وقد يتبلور الرمز معبرا عن نفسه في أشكال الطقوس والممارسات الاجتماعية،   أو من خلال مجموعة من الأشكال الهندسية أو الأمكنة والفضاءات التعبدية، مضفيا على ثقافة المجتمع بعدا ماديا مجسدا، وراسما له هوية تميزه وتشخصه. وكل رمز سواء أكان "ماديا" أو "غير مادي"، إنما يعبر عن مضمون ما، ويربط الانسان بدلالة محددة؛ فالأسد رمز يحمل دلالات: الشجاعة، الزعامة، البأس،.. الجبروت، حسب السياق  contexte   الذي اندرج فيه، والثقافة  culture  بوصفها خاصية انسانية، تخلق لنفسها الرموز وتضفي عليها حمولة من الدلالات، وتختلف دلالات الرموز باختلاف الثقافات التي تحتضنها كما أن نفس الرمز قد يحمل أكثر من دلالة بناء على السياق العام الذي يندرج فيه؛ "فالتراب" أو الأرض رمز للوحدة الوطنية، كما أنه قد يحمل معنى قدحيا حينما يستخدم في سياق آخر" تمريغ الإنسان وجهه في التراب". ...