إن التحدّي
الحقيقي الذي يجب أن يضعه كل فرد نصب عينيه؛ يتجلى في مدى قدرته على امتلاك شخصية
معتدلة ومرنة؛ لا تلقي اللوم والعتاب دوما على الغير، وتعمل جاهدة على تحقيق تفاهم
وتناغم واسع النطاق مع الآخرين، وذلك على الرغم من اختلاف توجهاتهم وعقائدهم
وشخصياتهم القاعدية أو ثقافاتهم المرجعية؛ شخصية تحترم ذاتها بحق، وتعمل بشكل واع
على السيطرة على مختلف نزعاتها العدوانية الجشعة، وكذا إخضاع مختلف الوضعيات
الاجتماعية التفاعلية والعلائقية لمبدأ الاستيعاب والفهم فتقبل الاختلاف كما الائتلاف.
إن أكبر خطأ
يقع فيه معظم الناس يكمن في إيمانهم المطلق بمعتقداتهم وأفكارهم وتوجهاتهم
الحياتية، لدرجة تلغي الآخر المختلف، و تحاول أن تمارس عليهم دور الوصاية
والاحتواء الرمزي، فتعتبر عدم اندماجهم وعقيدتهم وسردابهم الإيديولوجي خروجا عن
المسار والسكة الصحيحة، وفي هذا الاعتقاد على ما يبدو لي، نوع من الاستعلاء و
بالتالي احتقار في الصميم لثقافة الآخر المختلف .
إن انتهاج
مسلك القهر الرمزي أو المادي على ثقافة الأقليات وسائر الحضارات، سم زعاف يضني
التواصل والحوار الإنساني الكوني ، فحينما لا يحمل فرد أو ثقافة مرجعية؛ أدنى
قابلية لاستيعاب أفكار ومعتقدات "الغير" تحت ذريعة من الذرائع الدينية
أو الاقتصادية أو العرقية أو الطائفية …الخ، فان هذا مؤذن بخراب صروح التواصل
والتفاعل الأنيق، وتصبح بذلك مقولة حوار الشعوب مجرد لفظ جميل الشكل، تردده الألسن
وترفضه القلوب المتشنجة الحالكة، فكما أن "القوقعة" بتعبير
"أبراهام مولس" تتحدد كشيء مادي منغلق على ذاته، فان الثقافة التي لا
تحمل في ثناياها أي استعداد وجداني لتقبل ثقافة المختلف كما المؤتلف؛ هي أيضا مجرد
قوقعة منطوية ومغتربة عن هموم بني الإنسان، على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم ومواقفهم
الحياتية العامة .
ولعل ما
تعانيه في هذه اللحظات الحرجة معظم الشعوب، ليعكس بلا أدنى ريب مدى التدهور
والابتذال الذي وصل إليه التواصل والحوار الإنسانيين ، الذي لم يبنى على ما يظهر
على قواعد وأسس عتيدة من الاحترام و تقبل الاختلاف، ويبدو أن الجهل وضعف الاستبصار
وعمق النظر في الظاهرة الإنسانية وراء هذه الصراعات المحتدمة؛ حيث انهار صرح
العلاقات الاجتماعية والثقافية بين بني الإنسان، واخترق المادي – الاقتصادي
الإنساني والأخلاقي ؛ فاندحرت مفاهيم ؛ التواصل، الحوار، الاعتراف، التقبل و
الاحترام …وحلت محلها مفاهيم التبادل والصراع والمنفعة والهيمنة والاحتواء والقهر
..ومرد ذلك إلى التطور الحاصل على كافة الأصعدة والمجالات، واندحار الأساس
الأخلاقي أمام الغول الاقتصادي الذي قلب العلاقات بين الأشخاص وحولها إلى مجرد
علاقات بين أشياء ؛ فهواجس المادي تبتلع كل الهواجس الأخرى وتقوضها من أساسها
وتمارس عليها ضربا من التفكيك ورفع القدسية .
لقد أصبحت
الحاجة ماسة اليوم لخلق جيل ناشئ مهيأ وجدانيا وسيكولوجيا لتحقيق تواصل إنساني
فعال مع بني الإنسان، ولن يتأتى هذا في ظل مؤسسات التطبيع الاجتماعي ذات التوجه
الراديكالي العنيف، أو في ظل التنشئة التعصبية أو العنصرية التي تحدد طباع جيل لا
يملك أي قابلية للحوار والتواصل مع المختلف كما المؤتلف… فالاعتدال، والرصانة وعمق
النظر وصفاء النية وحب الحياة واحترام الإنسان – الشخص، كلها مفاهيم وجب أن تشق
طريقها لاستيطان قلوب وأفئدة الجيل الناشئ المؤمل في تحسين الصورة الباهتة التي
تسم مجتمعاتنا المتخلفة والمقهورة.
بقلم سمير الساعيدي
شكرا على التوضيح
ردحذف