التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عنصرية الجماعات الاثنية بواحة فركلة

 بقلم سمير الساعيدي
تعتبر العنصرية الاثنية من العناصر الخطيرة في بنية المجتمع الواحي الفركلي[1]، وترتكز أساسا على الافتخار بالانتماء إلى هذه الإثنية أو تلك، وحسن معدنها وأصالتها وأصالة من ينتمي إليها، في مقابل الاثنيات الأخرى الممثلة لقيم الانحطاط والتخلف والانحدار الثقافي والاجتماعي.
ترجع جذور عنصرية الجماعات داخل الوسط الواحي الفركلي حسب بعض المبحوثين إلى عهود الاستعمار، الذي تم فيه خلق البلبلة النفسية بين مكونات فركلة الاثنية، والواقع أن عنصرية الجماعات بواحة فركلة متغلغل منذ الزمن السحيق في ذهنية إنسان هذا المجال؛ إما دفاعا عن مصالح القبيلة، الاثنية، الماء، الأرض، العرض، المراعي. وإما دفاعا عن إيديولوجية الجد المشترك الذي تستمد منه الجماعة كبرياء وحس الانتماء.
وإذا كانت الدراسات العلمية الحديثة والأنثروبولوجية قد أكدت عدم وجود سلالة أو جنس خالص ونقي، فإن الحديث عن جماعة اثنية "خالصة" داخل الحقل الفركلي حديث خرافة ووهم " فليس هناك من يضمن انتقال الدماء صافية من السلف إلى الخلف" على حد تعبير ابن خلدون، وبالتالي فالحقل الفركلي الذي لا يزال يتغنى بالانتماء الاثني من خلال استمرار التسميات "شريفي، حرطاني، مرابطي، مرغادي[2]…" وكذا من خلال استمرارية التقوقع الاثني بين مختلف مكوناته؛ إنما هو في واقع الأمر صورة مصغرة لمجتمع تقليداني لا تزال بنيته الفوقية أسيرة الأعراف والتقاليد البالية والأفكار القبلية التي علاها الغبار في أكثر المجتمعات تحضرا وتطورا وعصرنة.
لو أننا حاولنا التعمق "قليلا" في أسباب عنصرية الجماعات داخل الحقل الفركلي، فسنجد أن الاختلافات البيولوجية بين بعض اثنيات الواحة، فضلا عن المكانة الاجتماعية التي تحتلها كل واحدة منها في سلم التدرج الاجتماعي والتي ( المكانة الاجتماعية) تستمد عادة من طبيعة المهن المحترفة، والمراكز والأدوار الاجتماعية التي تشتهر وتختص بها كل جماعة اثنية بالواحة؛ قد ساهم في انبثاق الأفكار التنميطية- الاحتقارية للآخر المختلف. فالمكانة الاجتماعية "الحضيضية" التي تحتلها جماعة "اقبليين"[3] هي التي أملت على المخيال الفركلي احتقارهم، عبر تبخيس كل ما هو مرتبط بهذه الجماعة؛ كلون بشرتهم وكثيرا من سماتهم الثقافية، ولا أدل على ذلك أن "الهابيتوس" القبلي بتعبير "بيير بورديو" أو نسق الاستعدادات النفسية والاجتماعية التي تحملها معظم جماعات الواحة  في تمثلاتها العامة لجماعة "اقبليين"؛ لا تزال تنظر إليهم بنوع من الاحتقار والتبخيس، ويبدو أن للوضعية الاقتصادية التاريخية "المتقهقرة" دور كبير في ذلك؛ "فإقبليين" هم "خماسة" الواحة قديما، والعادة أكسبت الناس النظر باحتقار إلى ممتهني مثل هذه النماذج من الأعمال، فكان تاريخ "إقبليين" تاريخ معاناة سيكولوجية داخل مجتمع متخلف ومقهور، وهذه "عقدة" تاريخية ظلت تلازم "حراطين" اليوم (سنخصص لهذا الموضوع حيزا خاصا ومستقلا).
وإذا انتقلنا إلى جماعة "الشرفاء"[4] فهي على خلاف "اقبليين" تتمتع بمكانة اجتماعية لائقة، وترجع جذور هذه المكانة إلى الأساس الديني "المقدس"،  الذي ضمن لشرفاء واحة فركلة حياة مستقرة على الأقل من الناحية السيكولوجية والمعنوية، حيث أن الانتماء إلى "مولاي عبد العزيز"[5] بمثابة رأسمال رمزي احتكرته هذه الجماعة لسنين عديدة، الأمر الذي جعل شرفاء اليوم يبحثون عن الوسائل الممكنة للحفاظ على هذا الامتياز المستمد من الانتماء "الشرفاوي"، وبالتالي على تلكم المكانة الاجتماعية اللائقة. ويبدو أن هذا التوجه قد طوح عديد الشرفاء في القوقعة الاثنية والانطوائية وكبرياء الانتماء، ولعل استمرارية التسميات التي تبتدئ ب"مولاي" يتجه لتأكيد هذا الطرح، وهذه محاولات يبدو أنها "يائسة" من جانب شرفاء الواحة في إعادة ذلكم التوهج الاثني المتقهقر، أمام المتغيرات الموضوعية التي مست الحقل الفركلي، تحت تأثيرات العولمة وحلول الرأسمال الاقتصادي محل الرأسمال الرمزي.
وبخصوص جماعتي "إمازيغن[6]" "وأيت باعلي أوحماد[7]" فالأولى  معروفة بأصولها المتعددة (على اعتبار أن أصل جماعة إمازيغن بفركلة ليس واحدا ) وهذه الأصول قد أثرت على تراكيب هذه الجماعة، من خلال اختلاف عقلياتهم وتوجهاتهم ومواقفهم تبعا لجغرافياتهم الثقافية وشخصياتهم القاعدية، والحال أن جماعة "إمازيغن" ظلت على العموم محايدة في الصراعات الرمزية والمادية التاريخية التي كانت واحة فركلة مسرحا لها.( مع حذر وتحفظ نبديه ابستيمولوجيا في هذا الصدد، في ظل غياب وثائق شاهدة..). في حين أن جماعة "أيت باعلي أوحماد" وهي المعروفة بتقوقعها – حسب مجتمع البحث- أكثر جماعات الواحة تعرضا للتمييز "العنصري" على أساس الانتماء الاثني، إذ لا تزال العقلية الفركلية تنظر إلى "أوباعلي أوحماد" كحفدة ليهود أسرير. وهذا التمثل ساهم في انبثاق مقولات عنصرية في حق أعضاء هذه الجماعة (عن غير وعي أحيانا).
أما بالنسبة لجماعة المرابطين[8] أو "إكرامن" فهم والحق يقال أقل جماعات الواحة ممارسة لفعل التمييز بشهادة مجتمع الدراسة، ولعل ذلك راجع إلى دورهم التاريخي القائم على الإصلاح وحل النزاعات بين مختلف القبائل المتصارعة، بواسطة شيوخ الزاوية ، كما أن لجغرافية هذه الجماعة أثر في ذلك على اعتبار أنها منعزلة قليلا عن مركز الحيوية الاجتماعية والثقافية المشترك بين جماعات الواحة ( فركلة السفلى خاصة).
إن عنصرية الجماعات بواحة فركلة هي حصيلة الماضي الهمجي الذي ترعرعت في كنفه ذهنية إنسان ذلك المجال، وإذا كانت الظاهرة تتخذ لنفسها قديما صورا واضحة  مباشرة وتنزل من الفوق إلى القاع عمودية غير مكترثة بالنتائج. فإن الحديث عن عنصرية الجماعات آنيا داخل واحة فركلة، لا تعرف جلادا محددا ولا ضحية محددة، "فالكل[9]" يمارس العنصرية و"الكل" يتعرض لها، غير أن الاختلاف هنا اختلاف في الدرجة والشكل، إذ أن الحديث عن العنصرية بواحة فركلة هو في الحقيقة حديث عن "عنصريات" يحتل فيها الانتماء واللغة والمجال قيمة زائدة.
إن الهدف من عرض هذا الموضوع ليس للتسلية أو ملء أكناف وجنبات المنابر الإعلامية بالضجيج والفوضى، و إنما لإثارة الحوافظ و تعرية الكائن والتفكير في الممكن، لتجاوز هذا الوهن السيكو- ثقافي العويص، الذي يحكم العلاقات الاجتماعية بفركلة، ويسمها بالتعقيد والنفاق الاجتماعي في أغلب الأحيان. فالحقل الفركلي "العليل" يحتاج اليوم وليس غدا إلى التشخيص والحوار العمومي الهادف الخلاق بين مختلف مكوناته "المثقفة" التي تبرع في الحوار وتجيد التواصل البناء الفاعل لا المنفعل، لكشف عورة هذا المجتمع الذي هزته التشنجات الحاكمة للاشعور الجماعات. والرهان من خلال هذه الرسالة هو كشف المستور وتشخيص المرض فالبحث عن الدواء لهذه المشكلة، وبالتالي السمو بالعلاقات الاجتماعية بفركلة وتجاوز الأحكام المحنطة- المعيارية التي تزدري جماعة و تمارس على أخرى دور الوصاية والقهر الرمزي.
سمير الساعيدي طالب باحث في حقل علم الاجتماع والثقافة الشعبية المغربية



[1] نسبة إلى واحة فركلة، واحدة من واحات الجنوب الشرقي المغربي
[2] نسبة إلى قبائل أيت مرغاد
[3] إقبليين أو الحراطين، يشكلون الأغلبية العددية، أصولهم التاريخية مختلفة ويتميزون ببشرتهم السمراء وبامتهانهم الأعمال الشاقة قديما.
  [4]الشرفاء: مجموعة إثنية تنتسب للولي الصالح “مولاي عبد العزيز” غير انها تتكلم بالأمازيغية "شرفاء أمازيغ"
[5] ولي صالح يوجد ضريحه في قصر أسرير، ومنه ينتسب الشرفاء الأمازيغ، ويقال بأن قدم من السعودية واستقر في المنطقة
[6]   إمازيغن: مجموعة إثنية لها أصول متعددة، استوطنت المجال المدروس منذ القدم وتتكلم بلسان أمازيغي.
 [7]   أيت باعلي أوحماد: مجموعة إثنية أمازيغية، وتندرج في المخيال الواحي الفركلي “كبقايا” لليهود الذين استوطنوا ذات حقبة بعض مجالات الواحة “قصر أسرير خاصة”.
[8]  المرابطين: مجموعة إثنية معروفة بلسانها العربي وبدورها التاريخي القائم على الاصلاح وفك النزاعات بين القبائل المتخاصمة …
[9] الكل هنا تحمل دلالة عن الاثنيات، إذ أن كثيرا من أفراد إثنية ما  يمارس على افراد من اثنيات أخرى التمييز على أساس الانتماء، في مختلف الممارسات الاجتماعية..عكس ما كان سائدا في الماضي حيث تشتهر بعض الاثنيات على ممارسة التمييز على أخرى.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دلالات الأشكال الرمزية في البساط الأمازيغي: حضور وغياب

بقلم : محمد قروق كركيش         الرموز الأمازيغية هي مجموعة من العلامات المعروفة بتصاميمها المتميزة وتتمتع بلغة فريدة وتجسد قوة مبدعيها واستقلالية خيالهم الواسع في مجال الإبداع، أما أشكالها الهندسية فهي جذابة وتوحي بدلالات ورسالات كانت سائدة قبل أن يظهر القلم والورق، فالزربية الأمازيغية تتطلب معرفة عميقة وحسابات رياضية تستحوذ على البال وهي تعد وتعد حتى تنقل عن طريق التكرار والنقل لتفادي الأخطاء مع تجنب أي إضافات تمس الهوية، فالزربية قبل أن تكون إبداعا فهي مرآة تعكس الكثير من ملامح الثقافة الفردية والجماعية.

الثقافة والتنمية المستدامة / نحو مدخل ثقافي لسؤال التنمية بالواحات المغربية

عرفت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية اهتماما متزايدا بالشؤون الثقافية، ليس فقط كوسيلة لترسيخ قيم الأجيال السابقة، والتعريف بهوية المجتمع وخصوصيته أمام الثقافات الأخرى؛ بل أصبح يرتبط أيضا بميادين وقضايا متعددة لعل من أهمها تأثيره في تنمية المجتمع ومسار تقدمه. وهذا ما برز بوضوح منذ بداية تسعينيات القرن العشرين حيث تم "تعزيز مساهمة الثقافة في التنمية المستدامة كهدف تم إطلاقه في إطار العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1998)" [1] . جاء هذا بالموازاة مع انشغال مجموعة من الباحثين بمدى تأثير العوامل الثقافية في سلوك الإنسان وأنماط تفكيره بشكل عام، وفي سيرورة التنمية ودينامية المجتمعات بشكل خاص.

قيمة الرموز في الثقافة اليهودية

يعتبر الرمز مفهوما فضفاضا واسع الاستعمالات والمضامين، ويستخدم للدلالة على معاني متعددة وفقا للسياق العام الذي تبلور فيه ضمن الخطاب، سواء أكان هذا الخطاب ميثولوجيا أسطوريا أو تيولوجيا دينيا أو أدبيا..وقد يتبلور الرمز معبرا عن نفسه في أشكال الطقوس والممارسات الاجتماعية،   أو من خلال مجموعة من الأشكال الهندسية أو الأمكنة والفضاءات التعبدية، مضفيا على ثقافة المجتمع بعدا ماديا مجسدا، وراسما له هوية تميزه وتشخصه. وكل رمز سواء أكان "ماديا" أو "غير مادي"، إنما يعبر عن مضمون ما، ويربط الانسان بدلالة محددة؛ فالأسد رمز يحمل دلالات: الشجاعة، الزعامة، البأس،.. الجبروت، حسب السياق  contexte   الذي اندرج فيه، والثقافة  culture  بوصفها خاصية انسانية، تخلق لنفسها الرموز وتضفي عليها حمولة من الدلالات، وتختلف دلالات الرموز باختلاف الثقافات التي تحتضنها كما أن نفس الرمز قد يحمل أكثر من دلالة بناء على السياق العام الذي يندرج فيه؛ "فالتراب" أو الأرض رمز للوحدة الوطنية، كما أنه قد يحمل معنى قدحيا حينما يستخدم في سياق آخر" تمريغ الإنسان وجهه في التراب". ...