التخطي إلى المحتوى الرئيسي

هموم واحات الجنوب الشرقي/ مقاربة ثقافية




تقرير:
هموم واحات الجنوب الشرقي/ مقاربة ثقافية
الجزء الأول: عقدة الصمت وضعف مجابهة أسباب الإقصاء- حالة1 التلميذ الواحي؛ أتألم بحرقة صامتة

 
تقديم لابد منه
بغض النظر عن مشاكل البنية التحتية التي تعيشها  واحات الجنوب الشرقي، إلا أن أكبر عائق يحول دون النهوض بالمجال والانسان يكمن في الجانب الثقافي، فالإنسان الواحي (خاصة بواحة فركلة) يئن من شدة الأوجاع الاجتماعية والمشاكل المادية؛ بيد أنه وفيّ لمبدأ الصمت، والسؤال الذي يطرح بإلحاح في هذا السياق؛ لماذا ظل الانسان الواحي وفيا لمبدأ الصمت على الرغم من معرفته بأوجاعه ومصادرها؟

سؤال سيجرنا للحديث ولو بإيجاز شديد عن الظروف السوسيوتاريخية التي أنتجت لنا الانسان الواحي الصامت، ففي عهد ما يسمى "السيبة" كان الجنوب الشرقي خاضعا للأعراف والتقاليد القبلية ذات التوجه البارغماتي النفعي، ولم تستطع قوى المخزن إحكام الهيمنة على هذا المجال أو ردعه، بل ظل يمارس تهديداته للنظام الحاكم بسبب قوة عصبية قبائله، وبسبب دينامية وزحف القبائل القوية صوب مجالات "الوفرة". لقد عاشت القبائل الواحية حالة صراع على الموارد بسبب "ندرة الماء والكلأ" وكانت لها عصبية قوية ترهب البعيد (المخزن) أكثر من القريب (التحالفات والقصور الضعيفة)، باختصار يمكن القول ودون الدخول في تفاصيل الماضي؛ بان الجنوب الشرقي كان مصدر قلق للسلطة الحاكمة، التي لم تستطع فرض نفوذها على هذا المجال إلا بعد خروج الاستعمار الذي ترك على ما يبدو وسائل وخيارات لضبط المجالات الواحية واحكام الهيمنة عليها، فقد ورث المخزن استراتيجية المستعمر بزرع تراتبات مخزنية ( القاضي.. العامل.. القايد.. الشيخ ) فانطلاقا من المدن الكبرى وصولا إلى أصغر بنية قبلية، بل وصولا إلى الدواوير الصغيرة التي يتولى "الشيخ" مراقبتها. يصبح المجتمع المغربي خاضعا لنظام من التراتبات المخزنية التي تتجذر في البنيات العميقة لأصغر الوحدات المجالية (الإغرم أو القصر).
بهذا العرض المختزل أمكننا القول بان ظروف الاستعمار الفرنسي قضى على العصبية القبلية وقدمت بذلك فرنسا خدمات جليلة للإستعمار الجديد الذي تولى المخزن إدارته؛ عن طريق استغلال ايديولوجيات "الدين" و"الكذب/الاعلام" و"التفقير الاستراتيجي" لواحات الجنوب الشرقي (التي مثلت تاريخيا مصدر تهديد وقلق للسلطة الحاكمة) فالواحة لم تحقق الاستقلال بعد، بل استبدلت استعمارا فرنسيا باستعمار آخر مخزني رمزي وهو الأشد  فتكا وخطورة، لأنه أفقد المجال الواحي عصبيته وقوته وهكذا أصبح الجنوب الشرقي مجالا هشا وفقيرا، يعيش فيه إنسان ضعيف يميل إلى ثقافة الصمت والخضوع والإذعان لسياسة التفقير الممارس عليه، فرغم إحساسه العميق بأوجاعه ووعيه التام بمشاكله، إلا أنه صامت راض بقدره المشؤوم.
في هذه الحلقات سنعرض بعضا من الخصائص النفسية والثقافية للإنسان الواحي المقهور، الذي يعي أوجاعه بمرارة ويصمت عنها بغرابة، ذلك الانسان البسيط الذي يفكر بعمق لكنه يتحرك ببطء عبر المجال، تاركا الفرصة لسياسة التفقير تفعل فعلها مستمرة بذلك بجني ثمارها باستنزاف الواحة لصالح المدينة، ويبدو لنا أن سياسة المخزن آتت اكلها من خلال ما استبطنته وزرعته من ترهيب، وتخويف، بسبب تجذير قوى المخزن عبر المجال، لقد حصد المخزن اليوم إنسانا واحيا صامتا قانعا راضيا بقدره المشؤوم إلى يوم يبعثون، فهو إنسان (رائع) لا يثير أي "فتنة'' ولا أي مشكلة للنظام، وهذا بالضبط سبب تهميشه.
 صورة لداخلية  ثانوية الحسن الثاني بتنجداد، بعدسة أشراف عوط
التجليات الواقعية للانسان المقهور الصامت:
النموذج الأول: أنا التلميذ الواحي؛ أتألم..  ولكن بصمت
    خلال إعدادنا لهذه الورقة التقريرية حول ظروف المجتمع الواحي المقهور، قمنا بمقابلة بعض تلاميذ القرى الأكثر تهميشا بالواحة، ويتعلق الأمر بعينة ذات مستوى إعدادي يقطنون بمجموعة من القصور الواقعة شرق تنجداد ( تغاش، تاغيا، إحندار..)، ثم عينة أخرى ذات مستوى ثانوي جاءت من مناطق( أغبالو، إفغ..) وكانت أسئلتنا متمحورة حول ظروفهم المعيشية من جهة، وأحوالهم الدراسية من جهة ثانية؛ وخلص التقرير إلى أهم المشاكل التي تواجه التلميذ في الإعدادي والثانوي بواحة فركلة وهي كالتالي:
*   مشاكل مادية عويصة نتيجة الفقر المدقع لعائلاتهم
*   مشاكل التنقل، إذ ما أن تبدأ عطلة نهاية الأسبوع حتي يكون الشغل الشاغل لهؤلاء؛ البحث عن وسيلة التنقل للوصول إلى ذويهم، وكثيرا ما يتنقل تلاميذ قصور تغاش كلومترات عديدة مشيا على الأقدام، كما عبرت عن ذلك العينة التي شملها التقرير، أما تلاميذ مناطق أغبالو فعلى الرغم من وجود وسيلة التنقل إلا أنها مكلفة بالنسبة لهم، خصوصا وأنهم جميعا ينحذرون من أسر فقيرة جدا كما بينا سالفا.
*   مشاكل داخلية عويصة تواجه خاصة طلبة داخلية ثانوية الحسن الثاني بتنجداد، فعن طريق شهادة العينة التي شملها التقرير يعيش التلاميذ ظروفا صعبة خاصة في الجانب المتعلق بالتغذية، فعدد المرات التي يصادف فيها التلميذ ذبابة أو شعرة أو أي شيء آخر في الطعام الذي يقدم إليهم لا يحصى، وهذا دليل كاف لدق ناقوس خطر سوء التغذية للتلميذ بداخلية الحسن الثاني بتنجداد
*   أفرشة وأغطية نوم قديمة قدم ثانوية الحسن الثاني، وكلها لا تفي بشروط السلامة الصحية كما أن حالتها المتدهورة تعرقل نوم التلميذ القروي المقهور
*   عدم إصلاح الصنابير المتلفة وعدم وجود حمامات للنظافة وتدهور حالة المراحيض وإقفال عدد كبير منها
أما فيما يخص مطالب التلاميذ فهي كالتالي:
*   مناشدة القائمين على الداخلية بإصلاح بنية الفضاء الذي يعيشون فيه: الصنابير المتلفة، الحمامات، والدوشات..
*   تغيير الأفرشة الرديئة، ومناشدة القلوب الرحيمة من فاعلي المجتمع المدني والفاعلين السياسيين بتوفير وسائل نقل كل "جمعة" أو "سبت" لنقلهم إلى قراهم البعيدة كما هو حال تلاميذ مجموعة قصور تغاش وأغبالو وإيزيلف.
*   المطالبة بأساتذة الدعم في اللغات الأجنبية والمواد العلمية لصالح تلاميذ باك1 و باك 2
*   كما أن هناك مناشدة للمجتمع المدني بإعانة هؤلاء التلاميذ في مسائل تهم اللباس والأحذية، خصوصا وأن ملابسهم مهترئة وقديمة
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يفتقر التلميذ الواحي لحس الإحتجاج رغم إدراكه ومعرفته بكل هذه القلاقل ؟
لا تكمن المشكلة بالتأكيد في غياب الوعي، فأثناء إجراء المقابلات اتضح جليا أن التلميذ واع بكل ما يدور حوله، لكن سياسة تجذير المخزن في البنيات القروية الواحية أنتجت إنسانا واحيا "داخل سوق راسو" "معندوش مع صداع الرأس".  
لقد أصبح المخزن قوة نفسية ردعية رهيبة، لدرجة عجزت الذات الواحية المقهورة عن مجابهة ظلمه وجوره وعنصريته المقيتة اتجاه واحات الجنوب الشرقي، كما أن القائمين على المسرح البلدي منهمكون في صراعاتهم البينية، وأنشطتهم التنموية شبه المعدومة، وإن كان ثمة نشاط فإنه يتجه إلى الجوانب الهامشية، تاركين أثمن رأسمال في الوجود يعيش أوجاعه، ويجتر فقره، ويحصد ألمه.
إن تنمية القدرات الشابة التي يزخر بها المجال الواحي هو أعظم النعم، ويجب على الساهرين على قطاع التنمية المعطوبة أن يهتموا بالعنصر البشري أكثر من الجذران وواجهات المحلات التجارية، يجب توفير كل الشروط الضرورية لتحسين أوضاع الشباب، لأنهم يمثلون المستقبل المعول عليه لتحسين الصورة المشؤومة لبنية المجال الواحي وثقافته الصامتة. 
هشاشة البنية التحتية بتنجداد
ملحوظة:

الجزء الأول من هذا التقرير تم صحبة الزميل أشراف عوط الذي بفضل كامرته التقطنا بعض الصور، وسيتولى بنفسه إنجاز الجزء الثاني من التقرير





























تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دلالات الأشكال الرمزية في البساط الأمازيغي: حضور وغياب

بقلم : محمد قروق كركيش         الرموز الأمازيغية هي مجموعة من العلامات المعروفة بتصاميمها المتميزة وتتمتع بلغة فريدة وتجسد قوة مبدعيها واستقلالية خيالهم الواسع في مجال الإبداع، أما أشكالها الهندسية فهي جذابة وتوحي بدلالات ورسالات كانت سائدة قبل أن يظهر القلم والورق، فالزربية الأمازيغية تتطلب معرفة عميقة وحسابات رياضية تستحوذ على البال وهي تعد وتعد حتى تنقل عن طريق التكرار والنقل لتفادي الأخطاء مع تجنب أي إضافات تمس الهوية، فالزربية قبل أن تكون إبداعا فهي مرآة تعكس الكثير من ملامح الثقافة الفردية والجماعية.

الثقافة والتنمية المستدامة / نحو مدخل ثقافي لسؤال التنمية بالواحات المغربية

عرفت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية اهتماما متزايدا بالشؤون الثقافية، ليس فقط كوسيلة لترسيخ قيم الأجيال السابقة، والتعريف بهوية المجتمع وخصوصيته أمام الثقافات الأخرى؛ بل أصبح يرتبط أيضا بميادين وقضايا متعددة لعل من أهمها تأثيره في تنمية المجتمع ومسار تقدمه. وهذا ما برز بوضوح منذ بداية تسعينيات القرن العشرين حيث تم "تعزيز مساهمة الثقافة في التنمية المستدامة كهدف تم إطلاقه في إطار العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1998)" [1] . جاء هذا بالموازاة مع انشغال مجموعة من الباحثين بمدى تأثير العوامل الثقافية في سلوك الإنسان وأنماط تفكيره بشكل عام، وفي سيرورة التنمية ودينامية المجتمعات بشكل خاص.

قيمة الرموز في الثقافة اليهودية

يعتبر الرمز مفهوما فضفاضا واسع الاستعمالات والمضامين، ويستخدم للدلالة على معاني متعددة وفقا للسياق العام الذي تبلور فيه ضمن الخطاب، سواء أكان هذا الخطاب ميثولوجيا أسطوريا أو تيولوجيا دينيا أو أدبيا..وقد يتبلور الرمز معبرا عن نفسه في أشكال الطقوس والممارسات الاجتماعية،   أو من خلال مجموعة من الأشكال الهندسية أو الأمكنة والفضاءات التعبدية، مضفيا على ثقافة المجتمع بعدا ماديا مجسدا، وراسما له هوية تميزه وتشخصه. وكل رمز سواء أكان "ماديا" أو "غير مادي"، إنما يعبر عن مضمون ما، ويربط الانسان بدلالة محددة؛ فالأسد رمز يحمل دلالات: الشجاعة، الزعامة، البأس،.. الجبروت، حسب السياق  contexte   الذي اندرج فيه، والثقافة  culture  بوصفها خاصية انسانية، تخلق لنفسها الرموز وتضفي عليها حمولة من الدلالات، وتختلف دلالات الرموز باختلاف الثقافات التي تحتضنها كما أن نفس الرمز قد يحمل أكثر من دلالة بناء على السياق العام الذي يندرج فيه؛ "فالتراب" أو الأرض رمز للوحدة الوطنية، كما أنه قد يحمل معنى قدحيا حينما يستخدم في سياق آخر" تمريغ الإنسان وجهه في التراب". ...