التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أي مسار للتنمية في المغرب - قراءة سوسيولوجية لطقوس واقعية


عبد الرحمن السيد[1]
ماجستير في السوسيولوجيا
مهتم بسوسيولوجيا الجريمة والانحراف

مقدمة
ماذا يقال في التنمية؟ وماذا يقال عنها؟ وبأية خلفيات يتحدث عنها؟ وبأية مقاييس؟. أسئلة كبرى طرحت منذ استقرار الدول المتضررة من الحربين العالميتين،ثم انتقلت لتطرح في الدول المتضررة من الاستعمار ومن صدمته، ثم أعيد طرحها بطريقة مختلفة وبترسانة مفاهيمية جديدة بعد الاقتناع من النمط الاقتصادي وتأثيره على الحياة الاجتماعية للأفراد والجماعات والمجتمعات، إذن هل يجوز القول بأن الكل يتحدث في التنمية؟ الباحث والأكاديمي والتاجر والسياسي والمتسول والمنحرف...الخ، هل الحديث عن التنمية في كل وسط هو مؤشر عن التنمية بحد ذاتها أم مؤشر عن الحاجة إلى التنمية؟
 إن التنمية مفهوم زئبقي يصعب تحديده وأجرأته إلا في ظل وجود ترسانة معرفية خالصة، وخالية من الايدولوجيا والوهم، اضافة إلى استحضاره وفق نمط ثقافي وهابتوسي واجتماعي معين، لكي لا يمرر بطرقتين مختلفين، بل ومتعارضين على مستوى الخطاب، على مستوى الهمس وكذا على مستوى الممارسة للرأي العام، يجب تحديده بدقة، حيث هناك طريقة تعطي معنى مثالي edial للتنمية، في ظل ظروف اجتماعية تتعارض مع هذا المعنى، وطريقة مؤسساتية تختزل في ما يسمى بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، لهذا ارتأيت في هذا المقال أن أقيس musure  هذا الموضوع من وجهة نظر سوسيو-انتربولوجية لمحاولة فهم تمثلات الناس للتنمية في المغرب وأين وصل الخطاب نحوها؟ وهل فهم هذا الخطاب بأنه ترك وراءه الممارسة في الطريق أم أنه لازال واعيا بأن الممارسة تأتي بعصاه السحرية المتمثلة في البلاغة والفصاحة والسفسطة والابداع المفاهيمي conceptielle؟،اذن من هذا المنطلق يمكن القول ان التنمية كطقس لازالت تبحث عن نفسها، ولا تحاول ان ترى وجهها في المراة، ما دام الحديث عنها مطولا ومتكررا حتى جعل عقلنا الباطني يفهم بأننا نموذجيين في التنمية رغما عنه، ولا تبقى الفرصة للخروج من هاته الكوابيس لفهم ما يجري.
نحو تأكيد مباشر عن التنمية في المغرب: أمثلة حية
لا بد من القول وفي ظل سعي المجتمعات لتحقيق الأفضل في جميع الميادين والقضايا، نجد المغرب الأقصى هو الآخر يحاول التركيز عن الجانب التنموي، وذلك من خلال خلق مبادرات تنموية تتجلى في مجموعة من الوريشات في مجال الصناعة والتجارة والاقتصاد وتبادل الخبرات، وكذا خلق مجموعة من الكتلات واللجان التي تهتم بالتقارير في هذا المجال، والتي تطعم بمفاهيم مزخرفة لهذا المفهوم، كالتنمية المستدامة،التنمية المحلية،التنمية التشاركية،التنمية الاجتماعية...الخ.
لكن اذا عدنا وهلة الى الوراء وبالتحديد عقب الحرب العالمية الثانية، نجد أن التيارات الفكرية المستمدة من علم الاقتصاد السياسي بفرعيه الرأسمالي والاشتراكي تحتكر التفكير في قضية التنمية، فعلى الجانب الأخير مثلت النظرية الماركسية، في صورتها الماركسية اللينينية، الينبوع الأول الذي استقى منه التفكير التنموي (الاشتراكي) مضامينه الفكرية، وقد تم اثراء هذه المضامين على جبهتين تمثلت في كل من التجربة السوفييتية والصينية، الى جانب اجتهادات قوية، على الصعيدين الفلسفي والاقتصادي، لعدد من الماركسيين في الدول الرأسمالية، خاصة في أروبا الغربية والولايات المتحدة الامريكية، لاسيما هنري لوفيفر وجورج لوكاش وروجيه كارودي وألتوسير،وعلى الصعيد الفلسفي، كل من ارنست ماندل وشارل بتلهايم وموريس دوب وبول سويزي وبول باران على صعيد الفكر الاقتصادي[2] ،وبالتالي لا جدال في القول أن مسألة التنمية حظيت باهتمام كبير في العلوم الاجتماعية هذا من جهة، من جهة ثانية نجد مالكي القرار يتحدثون عن منحى يمكن اعتباره أكثر ترصدا للتنمية في الخطاب الأكاديمي الذي يصعب فك شفراته، ان التنمية في المغرب تذهب برجل واحدة الى الأمام والأخرى الى الخلف، نظرا للتوزيع اللامتكافئ للثروة، وهذا أكد في خطابات ومناقشات أصحاب القرار، بمعنى اخر أن التنمية في المغرب تستعمل كتابة لفئة وتستفيد منها فئة اخرى، وبالتالي فهي نقمة على مجال ونعمة على مجال اخر.
طقوس التنمية في المغرب
إنه ومما لا شك فيه، ولكي لا تبقى كتابتنا في درجة الصفر بلغة لوران بارت، لا بد أن أحط القارئ في بعض طقوس التنمية في المغرب، وأخص بالتحديد المغرب العميق، فهذه الكلمة، على مستوى المفهوم تدل على انقسامية وتجزيئية في التنمية، وهكذا نجد مفاهيم مقابلة كالمغرب المنفتح، المغرب الحداثي، المغرب الجديد، مغرب الغد،الخ. اذا كيف تتمثل العامة التنمية؟
 إن التنمية في الحس المشترك[3] والراي العام هي "عبارة عن سيارة أو مروحية مخزنية مزودة بمواد غذائية أساسية كالشاي،الزيوت والقمح، بها أشخاص لهم بدلة وقبعة موحدة، تذهب الى أعالي الجبال مرفوقة بطاقم صحفي بارع في التصوير"توزعها على أناس فقراء محرومين من أدنى خيرات البلد ماديا ورمزيا، هذا التعريف أصبح اليوم جزء من هابتوس المغاربة لتمثل التنمية.


صور لبعض مناطق المغرب العميق


اذن، هل يمكن الحديث عن التنمية على أنها واجب اخلاقي بلغة كانط؟ أم أنها صدقة جارية في حق الفئات الأكثر تضررا في المغرب؟،جاء هذا السؤال نتيجة ردود الأفعال التي نشاهدها عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي تبين مناطق هؤلاء الفقراء ،وكذا من قبل القنوات الاعلامية، حيث تتمثل هاته الردود اثناء مجيء المروحية التي تحدتث عنها من قبل في عبارات "الله اجازيهم بخير تهلاو فينا..." ،"الله ارحم ليهم الوالدين شافو من حالنا..."،وكأنهم غرباء عن هذا الوطن وما يأتيهم هو من باب الخير وليس حق غير مكتمل.هاته الردود تردد في القنوات الفضائية وتستغل كرموز وكأساطير مؤسسة للتنمية في المغرب ،حيث يجب أن تحلل سوسيولوجيا وسيميائيا،وليس اعلاميا فقط،فهذا الأخير الذي من المفروض أن يكشف الوقائع كالسوسيولوجي،نجذه يطمسها بشكل يثير حتى الانسان العادي وبدهشة  غريبة.فلابد من الربط بين كل المجالات لكي نستطيع الشروع في بناء هيكل شامل يساعدنا على فهم مشاكل التنمية[4].
اذا كانت التنمية في الماضي طقوس تتمثل في المخيال الجماعي في سياسة التحكم الامتيازي في الرجال والأرض والماء[5] فان هاته الصورة عرفت نوعا من التجديد والرونقة من طرف المسؤولين المحليين لتخلق الامتياز والتحكم في قفة المواد الأساسية للتغدية،اذن كيف تقاس التنمية في المؤسسات الرسمية في المغرب؟ وهل هذا القياس يراعي خصوصية الوسط أم أنه تابع لدائرة المقاييس الغربية،هذا الأمر يستدعي بعض أقوال الباحثين في كون التنمية ابتكار عربي محض[6] وهذا نقاش اخر يحتاج الى مناسبة بحثية أخرى.
قياس التنمية في المغرب،قراءة في التقرير الوطني للألفية من أجل التنمية.
مند نشر التقرير الوطني حول أهداف الألفية من أجل التنمية لسنة 2009 والمغرب يواصل مسلسل اصلاحاته الاقتصادية والمؤسساتية على الرغم من تداعيات الأزمة المالية العالمية وتندرج هذه الاصلاحات في اطار مسلسل تعزيز انذماجه في الاقتصاد العالمي،وقد تمت مواكبة هذه الاصلاحات بمراجعة شاملة للدستور سنة 2011،وبنهج سياسة ماكرو اقتصادية أكثر صرامة وبتسريع إنجاز الاستراتيجيات القطاعية للتنمية،في هذا السياق تمت مواصلة المجهود الاستشاري ليبلغ في المتوسط ثلث الثروة المغربية سنة 2012 وهم على الخصوص برامج البنيات التحتية المهيكلة منها الاقتصادية والاجتماعية،الشيء الذي سمح بتحسين جاذبية وتنافسية الاقتصاد الوطني وتنويع النسيج الانتاجي وتوزيع جهوي أفضل لخلق فرص الشغل والمداخيل وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية[7] ،يمكن القول بخصوص هاته المقدمة البارونامية التي بدأ بها التقرير أنها كلمات سطرت أهم الجوانب التي يحتويها،وعليه في كل جانب على حدى يحتاج إلى أكثر من قراءة،بمعنى اخر لابد أن ينظر اليه من زوايا متعددة.
فالتقرير يحتوي على ثمانية أهداف أساسية،الأول يتعلق بالفقر وأبعاده،والثاني يرتبط بالتعليم ومدى تعميمه،والثالث متعلق بالمساواة بين الجنسين ووضعية المرأة ،أما الهدف الرابع فيتعلق بالوفايات ،خصوصا في صفوف الأطفال، وتحسين صحة الأم كهدف خامس،إضافة الى وضعية الأمراض المزمنة،كفقدان المناعة المكتسبة (السيدا) كهدف سادس،أما الهدف السابع فيرتبط بالبيئة والاكراهات التي تعتريها،وفي الأخير اختتم التقرير بضرورة إقامة شراكة عالمية من أجل التنمية.
لماذا الاهتمام بالقطاع الاجتماعي؟
حسب التقرير الذي نحن بصدد مساءلته وتمحصيه،نجد أن للقطاع الاجتماعي أولوية ضمن السياسات العمومية في المغرب،حيث ينزع هذا القطاع 50% مند ثلاث سنوات خلت،أي منذ صدور التقرير،مقابل 41% في بداية التسعينات،طبعا هاته الأولوية لم تأتي من فراغ،بل هناك ظروف وسياقات مهمة جعلت القطاع الاجتماعي من أولوية الأولويات،إذن ماذا نقصد بالقطاع الاجتماعي؟وكيف نرصده؟
يمكننا فهم هذا سوسيولوجيا بكونه القطاع الذي يحتوي في طياته كل المظاهر المتعلقة بانشغالات الأفراد الاجتماعية،كالبطالة،الفقر،الصحة والتعليم،وهاته الأسس هي المؤشرت الأساسية لقياس التنمية،لأن هاته الأخيرة تتجاوز الأبعاد الاقتصادية لتنزلق في الثقافي والاجتماعي،خصوصا عندما يتم تحيينها في مؤشرات أو ندوات،أو طقوس مرور اقتصادية،طبعا لا ننسى متغير المجال الذي تحدث عنه التقرير بقوة (حضري،قروي) ومتغير الجنس (ذكور ،اناث)،لكن هل الزيادة في رصيد القطاع الاجتماعي من طرف ميزانية الدولة مؤشر على تحسن هذا القطاع؟
هاته النقطة أساسية لابد من الوقوف عنها لوهلة،فالتقرير يتحدث عن تحسن أو بالأحرى الزيادة في الرصيد يساوي الزيادة في الانتاج،وهذا في اعتقادنا ليس مؤشر بل هو سبب مباشر يمكن أن يتأثر بمتغيرات خفية (جينوتيب)،تجعل منه وهم منشود،خصوصا اذا قاربنا الاختلاس والتزوير والسرقة وسوء توزيع الثروة،فاذا أخذنا الفقر على سبيل المثال لا الحصر،نجده في انخفاض مستمر كما جاء في التقرير،لكن على مستوى المجال نجد الفارق في استقرر تام،وبالتالي فلا يتم التركيز عن الارتفاع أو الانخفاض فقط بل يجب مراعاة الفوارق بين المجالات،سواء على مستوى القروي أو الحضري،ثم للبحث في مجال المساواة كما تنادي به الجمعيات النسوية،فلابد من الأخذ بعين الاعتبار هذا المتغير،حيث نجده مغيب في التقرير،أما بخصوص أنواع الفقر (الفقر النسبي،الفقر المتعدد الأبعاد،الخ)،فكان التقرير حاسما فيها بفوارق متباينة بين الجهات (الرباط سلا زمور زعير والدار البيضاء الكبرى مقابل مكناس تافيلالت وتازة الحسيمة تاونات)[8]،وهذا ما يجعل الكلام عن الفقر ذو تداعيات كثيرة وكبيرة،فلم ينشأ الفقر الا بعمل الإنسان وسياسته في الحياة ،ولم يتسع بشكل واضح الا بقصد سياسات الافقار التي باتت تتبعها الدول المهيمنة والقاصدة أذلال العالم وكسب وامتصاص قوة الملايين من البشر،فكيف ستكون حياة كل فقير؟ وماهي أسباب فقر الملايين من البشر،وماذا عن النتائج التي قد تجعل الفقير مجر كيان هامشي يصارع للعيش في حين تنعم فئات أخرى بموازنة غير عادلة تمنحها تكديس الأموال في كتفها على حساب الفقراء الاخرين،وهل من الممكن وضع سبل ناجعة ممكن أن تحد من الفقر على الأقل[9]،أسئلة تبدوا عالقة تحتاج إلى ترجمة وتكييف أكثر من تنظير ومفهمة.
أما على مستوى التعليم،يرصد التقرير بأن هذا القطاع لازال يتخبط في اختلالات وانزلاقات خطيرة،رغم أنه يرصد له 6 بالمائة من الناتج الداخلي الإجمالي،حيث نجد ارتفاع الهدر المدرسي،ارتفاع نسبة البطالة وكدا في نسبة الأمية،فيعمل المغرب جاهدا ضمن أهداف ما بعد 2015 بأهمية التعليم الأولي كعامل أساسي للحد من الهدر المدرسي.
أما بالنسبة للقطاع الصحي،فالتقرير تجاهل واقع هذا القطاع،لتحمل سطوره مما ينبغي أن يكون،نفس الأمر بالنسبة للمساواة بين الجنسين،لكن الواقع هو تشخيص ما هو كائن،ومن واقع مستشفياتنا التي من الصعب التفريق بينها وبين مرافق أخرى،حيث أصبحت كالمرافق الصحية في العديد من المدن،لكي لا أتحدث عن القرى التي لم تدخل بعد في السياسة الصحية في المغرب.
أما فيما يخص وفايات الأطفال الأقل من خمس سنوات،نجد وحسب التقرير،انها عرفت انخفاض ملموس،خصوصا في العقود الثلاثة الأخيرة،حيث انتقلت من 143 سنة 1980 الى 47 خلال الفترة ما بين ( 1999و 2003)،ثم الى 30,5 خلال الفترة ما بين (2007و 2011)،حسب البحث الوطني حول السكان والصحة العائلية 2011،طبعا أتى هذا بفضل المجهودات التي تقوم بها وزارة الصحة وكذا بعض المنظمات الدولية المهتمة بهذا الشأن،لكن عندما ننتقل للأطفال الحديثي الولادة (أقل من شهر) ،بقيت نسبته مستقرة الى حد ما،والتقرير ارجع ذلك الاستقرار وعدم الانخفاض الى الولادة قبل الأوان والوزن الهزيل واختلاف الوليد،وهذا أمر مهم،لكنه ليس عامل أساسي،فقبل الحديث عن الرضيع نتحدث أولا عن الذي وضعته ومدى الاهتمام الصحي بها ،فالمتابعة الصحية للرضيع تبدأ من الام،لضمان عيش كريم في بطن أمه قبل الولادة،وهذا ما يتحدث عنه التقرير في الفصل الخامس. المتعلق بتحسين صحة الأم
أردت أن أحافظ عن العناوين كما جاءت في التقرير مع هذا المقال،مع تغييرات طفيفة،رغم أننا لم نتفق مع أغلبها،خصوصا على المستوى التركيبي لانها تحمل أحكام قيمة،كما هو الشان بالنسبة لهذا المحور"تحسين صحة الأم"،والمفروض في اعتقادنا هو الاكتفاء بمفهوم صحة الام،لأننا لم نعرف هل هو تحسن أو تبخيس،وبالتالي فكلمة تحسن تستنتج بعد القراءة وليس قبلها.
إن التقرير لازال يتحدث عن نسب الانخفاض فيما يتعلق بالوفايات،فعلى مستوى وضعية الام نجد التقرير يتحدث عن الانخفاض الملموس في هذا الجانب،خصوصا بعد انضمام المغرب الى اعلان الالفية،وذلك من خلال التطور المناسب لاستعمال الخدمات الصحية المقدمة الى الأمهات (معدل انتشار موانع الحمل،مؤشر الخصوبة التركيبي)،أما أسباب الوفاة لخصها التقرير في (التشنج،التعفن،تمزق الرحم و النزيف،الخ)،
في هذا الصدد اذا تأملنا في وضعية مستشفياتنا نجد طقوس الولادة فيها تمر بأشكال غريبة،ان الأم المغربية اليوم ترفض الولادة بسبب طقوسها "التي لا تراعي سلامة صحتها"،فعلى الرغم من التقدم النسبي الذي عرفه قطاع الصحة بالمغرب،الا انه لا زالت نساء تلد في المزارع وفي وسائل النقل،بسبب نقص أو بالأحرى غياب مأوى طبيعي لذلك.
وحتى عند وصولها للمستشفى فلابد أن يكون لها نفس طويل للصبر،فالمغرب يغض النضر عن رقعة اجتماعية واسعة وينصت،ما اذا كان هناك هيجان أم لا.اذا كان كذلك فيتجه للحلول الترقيعية المتمثلة في اقامة مستشفيات متنقلة خصوصا في بعض الجهات – كالأطلس المتوسط والكبير،ثم في أعالي الجبال في الريف،وهذا لا يتناسب مع ما يوجد في التقرير،وهنا قيمة الأبحاث السوسيولوجية والأنثربولوجية وسبر الاراء،الخ.
عرف المغرب في السنوات الأخيرة (خمس سنوات على الأقل)،تطورا ملحوضا فيما يخص التعامل مع بعض الأمراض المزمنة،الذي يعتبر فقدان المكتسبة في قائمتها حسب تصنيف المنظمة العالمية للصحة OMC ،فهدا التقدم الملموس جاء بوثيرة جد بطيئة،حيث أن هناك هوة بين التوقعات والتحول الذي طرأ في هذا الميدان،مما يدل على أنه لابد من بدل الجهود للقضاء نسبيا على مثل هذه الأمراض ،فالتقرير ذكر أن هذا التقدم جاء باشراك مختلف القطاعات والواقع يقول شيء اخر
فقبل الحديث عن العلاج لابد أولا من الوقاية من هذا الداء،فمهما كان التقدم الطبي،فبدون وقاية لاجدوى للعلاج،وبالتالي رغم هذا التقدم الا أن الداء في تزايد مستمر،مما ينعكس عنه أعطاب نفسية واجتماعية من انحلال وانحراف وتفكيك،فالاحصائيات الموجودة في التقرير بخصوص انخفاض عدد الحالات،تطرح أكثر من سؤال،الا أن هذا النوع من الأمراض لازال من الطابوهات في المغرب ولا يتحدث عنه أحد،حيث يغلف بثقافة "الحشومة" و"العار" ،انه مرتبط بالعلاقات الجنسية الخارجة عن اطار الزواج،والواقع أن المرض ينتقل بوسائل أخرى "كشفرة الحلاقة" أو الجرح ،الخ.اذن التأمل والاهتمام بالصحة النفسية هو الجانب الذي ينقص في هذا الباب،اذ أن التقصير في هذا الجاني يؤدي لا محال الى ارتفاع الأمراض العضوية،خصوصا التي ترتبط بالجهاز العصبي،وبالتالي فلا بد من التأهيل النفسي للشباب وتوعيتهم نفسيا قصد الوعي بخطورة هدا الداء وهذا هو الأمر الخطير الدي تغفله وزارة الصحة في المغرب.وهدا يجعلنا نتحدث عن ضرورة فتح مراصد تهتم بهذه المسألة ،حيث يشارك فيها أطباء وأكاديميون وفاعلون جمعويون للاحاطة بالمرض،ولابد ان نبتعد شيئا ما عن الارقام والاحصائيات التي تعطينا جزء من الفينوتيب[10] وتترك الجينوتيب[11]ينتشر بقوة.
البيئة: موضوع مطروح على طاولة النقاش
في هذا المحور لابد من التطرق لثلاث عناصر أساسية وهي وضعية المناخ،وضعية المياه ثم وضعية الغابات بكائناتها الحية،اذن السؤال المطروح هل لدينا مستقبل بيئي في المغرب؟طبعا السوسيولوجي لايهمه الجواب بالنفي أو بالاثبات،بل يهمه سؤال لماذا وكيف بالدرجة الاولى ،وبالتالي من الذي جعل البيئة على ماهي عليه الان سلبا او ايجابا،فالمغرب اليوم يجب عليه أن يركز جهوده على التحديات البيئية،فقبل الحديث – وكما جاء في التقرير- عن توفير المغرب لعدة مؤهلات لها علاقة بالتنوع البيولوجي وكدا الحفاض عن الثروة المائية،وتدبير النفايات وتنظيم عمل المصانع،الا ان ذلك لا يكفي،بل هو قطرة من البحر،فاليوم نجد المغرب يفتح أبوابه لشركات عملاقة في عدة مجالات وتخصصات بشكل مهول،واليوم نجد المغرب لا يتوفر الا على شركة أو شركتين للنظافة،واليوم نجد المغرب يعرف الرعي الجائر والزحف العمراني،أين اذن الاهتمام بالبيئة؟؟؟،وهنا تكمن تركيبية المجتمع المغربي التي تحدث عنها بول باسكون،صحيح جدا ان هناك مجهودات مبذولة لكنها توصف بالمتواضعة في هذا الباب.
المغرب واقامة شراكة عالمية من أجل التنمية
لا بديل عن اقامة المغرب لشراكات مع المجتمع الدولي بخصوص التنمية،حيث أن بهاته الوسيلة يمكن ان يصبح فاعلا ومؤثرا أفقيا،رغم كونه لايمثل شيئا عموديا،فالرهان الأساسي اليوم هو استثمار الرأسمال اللامادي،وذلك برد الاعتبار الى الثقافة والفن،والحفاض على الثراث،وكذا البيئة والأمن،هذا الأخير الذي يعتبر من الاولويات المطروحة في الساحة الدولية،كحاجة اجتماعية أولا،وكتسويق للعالم الخارجي ثانيا،ان الدعم الذي يعطى للتنمية في المغرب يجب ان يتم تدبيره بطريقة عقلانية على مستوى الكم والكيف،لكي تصبح الارقام التي وضعها التقرير موثوقة،ثم بعد ذالك يمكن الحديث عن الوكالة المغربية للتعاون الدولي التي احدثت سنة 1986 والتي تهم القطاعات الأربع (تكوين الاطر،التعاون التقني،التعاون الاقتصادي والمالي،العمل الانساني)،وخلق مؤسسات الى جانبها للرفع بالتنمية وتقليص نمو المشاكل الاجتماعية.
في الحاجة الى سوسيولوجيا التنمية
في هذا المحور نتطرق الى أحد الجوانب المهمة في مقاربة التنمية وهو الجانب الابستمولوجي،والذي يتجلى في سؤال مفاده هل هناك جامعات تهتم بالبعد العلمي في مجال التنمية،أي هل هناك سوسيولوجيا التنمية بالمغرب؟ طبعا الجواب يوجد في رفوف الخزانات والمكتبات المغربية التي تحتسب فيها الكتب التي تهتم بالتنمية عل رؤوس الاصابع،طبعا لكي لا نتحدث عن اكاديميين أو باحثين في هذا الجانب،فالتنمية كمفهوم في المغرب لصيق بالجرائد والاعلام وبعض التقارير الرسمية كالتقرير الذي بين ايدينا،اضافة الى طغيان الطابع الاقتصادي للمفهوم حيث نجده في العرض والطلب والتخطيط والادارة،في حين لابد من المقاربة الأنثربولوجية والسوسيولوجية،وكذا السيكولوجية،باعتبار ان التنمية ثقافة بالدرجة الاولى،وبناء اجتماعي بالدرجة الثانية،فلابد من فهمها من الداخل والخارج،ولا يتأتى ذلك الا بالبحث حولها وفتح أوراش ومعاهد وكذا تخصصات على مستوى الاكاديمي،وبالتالي تصحيح ما يجب تصحيحه في هذا الميدان واعادة النظر في اللاسوي فيه،قصد بناء مغرب رصين يصمد في قوة رياح الأزمات محليا،جهويا،وطنا ودوليا.
ببليوغرافيا:
·       محمد عبد الشفيع عيسى،مفهوم ومضمون التنمية المحلية،بدون طبعة ،معهد التخطيط القومي،القاهرة،بدون سنة
·       مازن مرسول محمد واخرون،سوسيولوجيا الفقر،الأبعاد والتجليات،محاضرة بكلية الاداب جامعة المستنصرية،2005
·       رويرت ثيوبالد،الأغنياء والفقراء،الطبعة الأولى، مكتبة   الاسكندرية،الجمهورية العربية المتحدة،بدون سنة
·       ريمي لوفو،الفلاح المغربي المدافع عن العرش،ترجمة محمد بن الشيخ،الطبعة الاولى،منشورات وجهة نظر،2011،
·       ابراهيم البليهي،حصون التخلف،الطبعة الأولى،منشورات الجمل،2010،
·       التقرير الوطني،أهداف الألفية من أجل التنمية،2012.



[1] Essaiedabderrahman@gmail.com
[2]  محمد عبد الشفيع عيسى،مفهوم ومضمون التنمية المحلية،بدون طبعة أو مطبعة،معهد التخطيط القومي،القاهرة،ص 3
[3]  مفهوم لعالم الاجتماع الفرنسي اميل دوركايم،يقصد به التوجهات العامة للناس نحو ظاهرة معينة،أي اليومي
[4]  رويرت ثيوبالد،الأغنياء والفقراء،الطبعة الأولى، مكتبة الاسكندرية،الجمهورية العربية المتحدة،ص 3
[5]  ريمي لوفو،الفلاح المغربي المدافع عن العرش،ترجمة محمد بن الشيخ،الطبعة الاولى،منشورات وجهة نظر،2011،ص 141.
[6]  ابراهيم البليهي،حصون التخلف،الطبعة الأولى،منشورات الجمل،2010،ص 43.
[7]  مقدمة التقرير الوطني،أهداف الألفية من أجل التنمية،2012.
[8]  لمعرفة تلك الفوارق بدقة ،أنظر الملاحق المضمنة في التقرير.
[9]  مازن مرسول محمد واخرون،سوسيولوجيا الفقر،الأبعاد والتجليات،محاضرة بكلية الاداب جامعة المستنصرية،2005،ص 2.
[10]  السلوك الظاهر
[11]  السلوك الخفي

تعليقات

إرسال تعليق

تعليقاتكم تسرنا

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دلالات الأشكال الرمزية في البساط الأمازيغي: حضور وغياب

بقلم : محمد قروق كركيش         الرموز الأمازيغية هي مجموعة من العلامات المعروفة بتصاميمها المتميزة وتتمتع بلغة فريدة وتجسد قوة مبدعيها واستقلالية خيالهم الواسع في مجال الإبداع، أما أشكالها الهندسية فهي جذابة وتوحي بدلالات ورسالات كانت سائدة قبل أن يظهر القلم والورق، فالزربية الأمازيغية تتطلب معرفة عميقة وحسابات رياضية تستحوذ على البال وهي تعد وتعد حتى تنقل عن طريق التكرار والنقل لتفادي الأخطاء مع تجنب أي إضافات تمس الهوية، فالزربية قبل أن تكون إبداعا فهي مرآة تعكس الكثير من ملامح الثقافة الفردية والجماعية.

الثقافة والتنمية المستدامة / نحو مدخل ثقافي لسؤال التنمية بالواحات المغربية

عرفت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية اهتماما متزايدا بالشؤون الثقافية، ليس فقط كوسيلة لترسيخ قيم الأجيال السابقة، والتعريف بهوية المجتمع وخصوصيته أمام الثقافات الأخرى؛ بل أصبح يرتبط أيضا بميادين وقضايا متعددة لعل من أهمها تأثيره في تنمية المجتمع ومسار تقدمه. وهذا ما برز بوضوح منذ بداية تسعينيات القرن العشرين حيث تم "تعزيز مساهمة الثقافة في التنمية المستدامة كهدف تم إطلاقه في إطار العقد العالمي للتنمية الثقافية (1988-1998)" [1] . جاء هذا بالموازاة مع انشغال مجموعة من الباحثين بمدى تأثير العوامل الثقافية في سلوك الإنسان وأنماط تفكيره بشكل عام، وفي سيرورة التنمية ودينامية المجتمعات بشكل خاص.

قيمة الرموز في الثقافة اليهودية

يعتبر الرمز مفهوما فضفاضا واسع الاستعمالات والمضامين، ويستخدم للدلالة على معاني متعددة وفقا للسياق العام الذي تبلور فيه ضمن الخطاب، سواء أكان هذا الخطاب ميثولوجيا أسطوريا أو تيولوجيا دينيا أو أدبيا..وقد يتبلور الرمز معبرا عن نفسه في أشكال الطقوس والممارسات الاجتماعية،   أو من خلال مجموعة من الأشكال الهندسية أو الأمكنة والفضاءات التعبدية، مضفيا على ثقافة المجتمع بعدا ماديا مجسدا، وراسما له هوية تميزه وتشخصه. وكل رمز سواء أكان "ماديا" أو "غير مادي"، إنما يعبر عن مضمون ما، ويربط الانسان بدلالة محددة؛ فالأسد رمز يحمل دلالات: الشجاعة، الزعامة، البأس،.. الجبروت، حسب السياق  contexte   الذي اندرج فيه، والثقافة  culture  بوصفها خاصية انسانية، تخلق لنفسها الرموز وتضفي عليها حمولة من الدلالات، وتختلف دلالات الرموز باختلاف الثقافات التي تحتضنها كما أن نفس الرمز قد يحمل أكثر من دلالة بناء على السياق العام الذي يندرج فيه؛ "فالتراب" أو الأرض رمز للوحدة الوطنية، كما أنه قد يحمل معنى قدحيا حينما يستخدم في سياق آخر" تمريغ الإنسان وجهه في التراب". ...